الاعلام السوري – حوار افتراضي

قامت مجموعة من الشباب السوري بانتاج سلسلة من الحلقات عن حوار افتراضي مع من يفترض انه مبهور بالثورات ومشاريع الديمقراطية.. وشعارها أن التجافي ليس من شيم السوريين.. وعنوان الحلقة الثانية: الاعلام السوري

الحوار الافتراضي هو محاولة للاجابة على كثيرة بين اتجاهات السوريين.. التي يجب التعاطي معها بطريقة “وجادلهم بالتي هي أحسن”. طريقة جديدة في الحوار عندما تكون الأسئلة الحقيقية غائبة عن الجدل والتفاعل.. أترك لكم الحكم على هذا الحوار الافتراضي في الحلقة الثانية وتقييم هذه التجربة.. تابعوه:

نارام سرجون

الإخصاء الذهني لعلاج جهاد النكاح، الفصل بين العلم والسياسة

429952_324090830971997_12655456_n

نارام سرجون

أصدقكم القول بأنني احترت في هذا المقال من أين أبدأ.. هل أبدأ بالحديث عن الجرح النرجسي للمعارضين العرب؟.. أم هل أبدأ من التشابه بين توكل كرمان وريم تركماني في حالة الخصاء الذهني..؟ أم أحدثكم عن الفصل بين العلم والسياسة قبل الفصل بين العلم والدين أو بين الدولة والدين ؟؟

سنذهب اليوم في رحلة فلكية.. لنطل على بقعة حمراء بلون الدم على سطح كوكب “المشتري” السياسي للمعارضة السورية.. ودعوني أطلق تحذيرا لمن يرغب بالسفر في هذه الرحلة بأنها رحلة مواجهة مع كائنات غريبة عنا مخصية ذهنياً.. ومصابة بالجراح النرجسية.. الاكسجين قد ينفذ أثناء الرحلة لكثرة الحاجة اليه ونحن نتنفس خطابات مسمومة مريضة.. وقد ينفذ الصبر ونحن نحاول اكتشاف هذا الكوكب ذا البقعة الحمراء للمعارضة.. ولكن الاكتشاف والمعرفة يستحقان هذه المغامرة..

فعندما كنت أرى المعارضين العرب على اختلاف مشاربهم كنت أحس أنني أبحث عن طريقة لفهم هؤلاء الذين ينتجون هذا الفكر الوطني الرث وهذه التناقضات العجيبة في تقديم الحلول العجيبة لمجتمعاتهم والتي لايمكن وصفها الا بالعاجزة المصابة بعاهات خلقية والتي هي حلول كارثية بامتياز لاتأتي الا بالمآزق.. جعلت الديكتاتوريات تشمت بنا جميعا.. وكانت أمامي المعارضة العراقية نموذجا فريدا يستحق الدرس والتحليل عندما انهمك العراقيون في مشروع “استيراد الحرية” وتفصيلها في مصانع التكنولوجيا الغربية كما لو كانت أزياء أو سيارات رباعية الدفع.. وكنت أتعجب من هذه الحرية المستوردة التي تجرها الدبابات الأمريكية بينما كان ذهن عتاة المثقفين العراقيين وكثير منهم من حملة الشهادات العليا يتفتق عن مقايضة ساذجة تبرعوا فيها باختراع معادلة “النفط مقابل الحرية” وكأن الحرية تشرى بالنفط!!.. رغم أن اللبيب كان يعرف أن رعاة البقر القادمين من تكساس متخصصون جدا في تدمير الشعوب والحضارات وأنهم لم يدخلوا بلدا الا نكبوه ومزقوه اربا.. ورغم اننا نصحناهم الا أن المثقفين العراقيين “لم يستبينوا الرشد” الا في ضحى السيارات المفخخة والانقسامات المذهبية والعرقية شاقوليا وعموديا وتصدعات وصلت الى الصفائح التكتونية للارض العراقية والى ألواح حمورابي نفسها عبر الزمن..

ولكن سبحة المعارضات العربية كرّت.. وسارت جميعها على نفس الدرب العراقي الذي اعتقدنا انه نسيج وحده.. وتبين ان المشكلة ليست في العراقيين وحدهم بل تكويننا السياسي الذي لم يكتمل وتجربتنا التي لم تنضج.. وفي عودنا المعرفي الغض والطري.. والساذج.. الذي يمارس السياسة المقهورة فيتقهقر أكثر.. وكان لابد من دراسة هذه الظاهرة العربية الفريدة في التاريخ في استجلاب الحرية واستيرادها محملة على ظهور الدبابات وفي علب الناتو والتي تنتج عن عقلية متقهقرة.. ومقهورة حضاريا ونفسيا..

كنت أحتاج الى مفتاح سحري يفتح لي أسرار هذا الجيل الذي ينتج المآزق والكوارث.. والى كلمة سر تفسر هذا الانتحار الجماعي الذي تقوده مجموعة متهورة موتورة من المعارضين العرب.. وربما وجدت ضالتي في كتاب قرأته منذ سنوات عن “سيكولوجية الانسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي.. ويعتقد القارئ للوهلة الأولى أنه كتاب لمحاكمة الديكتاتوربات التي تقهر مواطنيها.. ولكن القارئ الذي يغوص فيه بعمق يدرك انه محاكمة للنظم الثقافية والأسرية.. والموروثة.. ومحاكمة للاستعمار قبل الديكتاتوريات.. بل انه قد يفسر سبب انتاج الديكتاتوريات وانتاج المعارضات الرثة التي تمارس الديكتاتورية اكثر من الديكتاتوريات.. وهنا يكتشف القارئ كلمة السر.. بأن التخلف بلاء لايقتصر على قاع المجتمع بل يجتاحه شاقوليا أيضا.. ونستطيع أن نفهم التناغم والتفاهم بين راكبي سيارات الدوشكا في شوارعنا والمكبرين عند الذبح.. وبين حملة شهادات جامعية من الغرب يرون في القتلة ثوارا.. وفي الفوضى مشروع نهوض.. والحقيقة أن الاثنين يعبران عن تكامل في العقلية لأن التخلف شامل.. ولايستثني أحدا.. والتخلف فنون وألوان..

وبالطبع تذكرون قصة “البروفيسور” موسى الكردي الذي نشرت عنه صحف العالم أنه بروفيسور في جامعة كمبريدج البريطانية وانه كان أستاذ الرئيس بشار الأسد.. وقد نقلت عنه الصحف العالمية تصريحاته وتوبيخاته للرئيس الأسد وامتعاضا من تهوره وقسوته.. وتبين أن البروفيسور المذكور ما هو الا مجرد طبيب عادي جدا في مشفى صغير في مقاطعة كمبريدج وليست له أية علاقة بجامعة كيبمريدج من الناحية الأكاديمية وأنه ليس أكاديميا ولابروفيسورا.. ولكن الاعلام يحتاج أبطالا من ورق يحرقهم لاشعال الحرائق.. يريد أبطالا للمشاهد الغربي.. وللمشاهد العربي.. فالمشاهد الغربي يحتاج لاقناعه بوجهة نظر البي بي سي والغارديان وغيرهما لتقديم اسماء ليست محرجة من نوع ووزن الملا عمر أو عدنان العرعور أو رياض الشقفة.. بل من حملة الشهادات العلمية والألقاب المفخمة.. وقد اكتفى الاعلام الغربي بالاشارة الى الأستاذ الذي درّس الرئيس الأسد في دمشق دون ذكر لقبه “الكمبريدجي” الذي فلقتنا به الثورة السورية وصحف العرب.. لأن الحقيقة أنه ليس استاذا في كيمبريدج..

ولاشك أن لقب من عيار “بروفيسور في السوربون” مثل برهان غليون كانت مضللة جدا واستعملت مثل عملية ترويج لمنتج فاسد ضعيف توضع عليه صورة جامعة عريقة.. استاذ السوربون غليون كان مغمورا لكن صنعت منه الجزيرة والاعلام الغربي رئيس مركز دراسات الشرق المعاصر الذي يناصر الثورة ويمدها بنظرياته واكتشافاته عن الشرق.. ليتبين ان الوظيفة الأصلية للبروفيسور متواضعة وقيمتها العلمية عادية جدا.. لكن الوظيفة الحقيقية من وراء هذا التمجيد كانت تصنيع أغطية وشراشف ذات أبهة علمية للثورة السورية “الدينية” لرياض الشقفة و”أبو محمد الجولاني” وأيمن الظواهري.. وقد تسبب استعمال شهادة غليون في الثورة في احراق تلك المكانة العلمية الصغيرة لغليون ولم يبق منها الا الرماد.. ولكن عملية تجنيد المتعلمين وأصحاب الخبرات والشهادات بلغت حدا مبتذلا ومهينا جدا للعلم ولنا جميعا.. وخاصة عندما نعرف القيمة الحقيقية لهؤلاء الطارئين على العلم والسياسة معا..

ومن هذه المنتجات الاعلامية المضخمة التي تفقس كل يوم مايطلق عليه الاعلام الثوري والعربي (العالمة الفلكية) ريم تركماني التي تقدمها الصحافة العربية والاعلام العربي على أنها أول عالمة عربية فلكية.. (تكبير!!!!).. وفي الامبريال كوليج في لندن (تكبير!!).. لتبدأ عملية التسويق والتضليل وبيع المنتجات الفاسدة القديمة على ظهر مخلوقات قادمة من مريخ المعارضة.. ومشتريها..

وتتم الاشارة الى السيدة ريم على أنها عالمة فيزياء وباحثة فلك.. وفي سيكولوجية الانسان العربي فان ذروة التفوق الغربي هي في علوم النجوم والفضاء التي قهرت الكواكب وهنا تكمن عقدة نقص هائلة.. وعلم الفلك والفيزياء لايزال يذكر العقل العربي بالفارابي وابن سينا والكندي ثم بالفضاء وناسا وابولو ويوري غاغارين.. فما بالك ان قيل بأن علم الثورة التحررية تقوده عالمة فلك عربية في قسم الفيزياء في الامبريال كوليج في لندن؟؟..

وكوني مهتما بالبحث العلمي منذ دراستي البحثية في فرنسا فقد قمت بزيارة موقع الامبريال كوليج الذي تعمل فيه “العالمة” ريم.. ووجدت أن السيدة الفاضلة تركماني ليس لها موقع أكاديمي متميز بل هي تدرس مثل آلاف السوريين المنتشرين في معاهد العالم وينشرون أبحاثا اثناء فترة التمرين والبحث من على منصات المعاهد العلمية ضمن سياقات كلاسيكية وممرات اجبارية لنيل شهاداتهم.. (وتصنيفها العلمي هو باحثة زائرة) يعني ليست بروفيسورة ولا صاحبة نظرية ولاحتى محاضرة في الجامعة.. وكل الطلاب العرب الذين يعملون في معاهد علمية يعرفون معنى (الباحث الزائر أو عضو أبحاث) أي أنه مجرد طارئ وعابر سبيل وكثير من الطلاب يصنفون على أنهم باحثون زائرون.. ومجموع كل أبحاثها الأصيلة هي خمسة أبحاث منذ عملها عام 2000 واثنان على الأقل غالبا هما ملخصات بسيطة لمشاركة في مؤتمرات روتينية.. وآخر ملخصاتها كان عام 2006.. وهناك بحثان حشر اسمها فيهما ضمن مجموعة كبيرة من الناشرين وربما كان عملها فيهما هو تنضيد الأوراق لأن ترتيب اسمها كان متأخرا جدا.. وفي ميدان البحوث والعلوم فان عدم نشر بحث علمي منذ عام 2006 يقال له علميا (يفتح الله).. وأنا شخصيا ضحكت من هذا الرصيد العلمي الضئيل الذي لاشك لايبهرني لأنه عمل متواضع للغاية ولايستحق صاحبه هذا اللقب وهذا التبجيل.. وهو أقل مايمكن أن يملكه أي طالب في مجال العلوم.. لأنني أعرف معنى البحث العلمي وأعرف ماذا يعني نشر ثلاثة ابحاث فقط على مدى سنوات في سياق الدراسة لنيل شهادة الكتوراه.. ان عالما لم ينشر بحثا علميا اصيلا باسمه منذ 10 سنوات مدعاة للسخرية وعليه الاعتذار عن هذا الاحتيال والاعتراف بالحقيقة أنه طالب.. والسيدة ريم تركماني تعرف ذلك جيدا.. وهي ليست الوحيدة في انتحال صفة المشاهير والعلماء.. فالصحف العربية تزخر بفتوحات هؤلاء المساكين ومبالغاتهم.. وأنا أعرف على الأقل وبشكل شخصي ثلاثين صديقا عربيا وسوريا نشر أقلهم مئة ورقة بحث اصيلة في اختصاصاتهم في أرقى المجلات العلمية الغربية.. ولكن واحدا منهم لم يقدم نفسه على أنه عالم وباحث لايشق له غبار.. ولم يتحول الى ممارسة بيع الشهادات والأبحاث وتصنيع شهرته الجوفاء من جلد الشهادات ولحم العلم والعلماء.. السيدة العالمة كانت تدرس للدكتوراه فقط مثل عشرات آلاف الطلبة في الغرب.. ولكن الثورة جعلتها أستاذة وعالمة.. وهي ساقت بالقصة وصدقتها..

ومن الواضح أن تسميتها بعالمة قد أصابتها ببعض الصلف والخيلاء.. وبدا ذلك في ملامحها المتشنجة القاسية التي تكاد تتحول الى ملامح رجل.. وهذه ظاهرة نراها عند المغتربين ممن يعيشون في الغرب وبالذات يعملون في المؤسسات الغربية العلمية بوظيفة متواضعة لأن هيبة الغرب أتت من سبقه العلمي فينعكس ذلك على سلوكهم الاستعلائي.. وخاصة اذا ماكانت تنتمي اجتماعيا الى ذلك الغرب عبر الزواج من غربي كما هو حال ريم.. فهي متزوجة من مواطن بريطاني اسمه كريس دويل رئيس مايسمى مجلس التفاهم العربي – البريطاني (؟؟؟!!!).. اي أنها تنتمي نفسيا واجتماعيا ومستقبليا الى بريطانيا وليس الى سورية..

وهي في خطابها التمثيلي مصرة بشدة على ايصال رسالة صارمة الى المشاهد المسكين.. وهذه الرسالة هي أنه يرى أمامه نموذجا لايحب المزاح ولا الابتسام ولايقدر المشاهد على تذكر قول عنترة العبسي “فوددت تقبيل السيوف لأنها…. لمعت كبارق ثغرك المتبسم” لأن ريم عالمة جدية جدا لاتبتسم ولايبرق لها ثغر.. ومتجهمة جدا لأنه يجب على المشاهد أن يحس أنه يرى نموذجا متفوقا عليه (الا في صورها في الجامعة الانكليزية التي لاتجرؤ فيها على التجهم).. وتبدو السيدة تركماني تعاني من عقدة اضطهاد لاتخفى على العالمين بعلم النفس.. وأنا أسميها “عقدة المغترب المتخلف” الذي يعامل الناس بفوقية وينظر لهم باستعلاء.. وجه صارم عابس متشنج يوحي بالقشعريرة وأن صاحبها مصاب بتشنج الأمعاء.. يتحدث وكأنه يأتي بالمسلّمات غير القابلة للطعن.. وهناك احساس يصل المشاهد انها تحتقر كل المشاهدين وترى نفسها فوق الجميع وخاصة العرب وينطبق عليها ماوصفه كتاب سيكولوجيا الانسان المقهور عن “الجرح النرجسي”.. وهذا طبعا رغبة في تقديم صورة ثابتة “لها هيبة” واحترام.. فهي عالمة كتبت ثلاثة أبحاث عن الفلك.. تكبيرررر!!!

يعني ريم تركماني هي أفهم قليلا من “توكل كرمان” اليمنية الحاصلة فقط على بكالوريوس تجارة وبعض الملحقات التجميلية وجائزة نوبل.. ولكن الفارق الذهني والمعرفي والفلسفي والوطني بين كرمان وتركماني ليس كبيرا على الاطلاق وهناك أرضية مشتركة كبيرة ان لم نقل انهما متطابقتان كثيرا فيما يسمى (الخصاء الذهني).. وأرجو الا يزعج هذا التشبيه السيدة الباحثة والعالمة الكبيرة تركماني.. أي تشبيهها ذهنيا بجاهلة يمنية مثل توكل كرمان التي أعطيت جائزة نوبل للسلام ولكن فهمها للسياسة مثل فهم الحج أبو صلاح بعلم الفلك وبموقع الامبريال كوليج..

فقر السيدة ريم السياسي المنطقي كان واضحا في محاولة نسب الجرائم للدولة السورية والقاء اللوم على الدولة حتى في انحراف الثوار.. وتكرار حكاية الصواريخ والبراميل المتفجرة.. وكانت في مقابلاتها سابقا تقول مالايقوله عبد الباري عطوان ومحمد كريشان أو عدنان العرعور عن الشعب الذي يدافع عن نفسه ضد القمع.. وذكرتني بمراهقة من الغوطة قالت ان الجيش السوري يسمم حليب الأطفال ليسمم “الشعب” السوري..

تبدو ريم في ريائها مثالا ممتازا على سيكولوحيا الانسان المقهور الذي تحدث عنه مصطفى حجازي.. فقد استمعت الى السيدة ريم بالأمس في يوم المرأة العالمي والذي تناول معاناة المرأة السورية في الأزمة.. ولكن ردودها المتشنجة والعصبية والاتهامية دلت على أن من أمامنا ليست عالمة وليس فيها من مهارة البحث والاستقصاء شيء.. وهي نموذج فاقع لما يسمى (الاخصاء الذهني) الذي يتميز به الانسان المقهور.. والدليل الفولاذي على ذلك هو أن ريم تركماني مثلا هاجمت قناة الميادين بشدة واتهمتها بترويج دعائي رخيص لكذبة اسمها “جهاد النكاح” لأنه -كما قالت- لايوجد دليل واحد عليها.. أي الدولة السورية تفبرك وتهتك عرض الثورة.. علما أن قضية جهاد النكاح ظلت محل تجاذبات وأخذ ورد وتجاذبات ومماحكات وعدم اثبات الى ان قدم وزير الداخلية التونسي مداخلة مذهلة في صراحتها وصدمتها الى البرلمان التونسي واعترف فيها بخطورة المشكلة والحيرة في كيفية التعامل مع عشرات التونسيات العائدات من سوريا وهن حوامل من جهاد النكاح.. والمشكلة كما قال الوزير في مطالعته الشهيرة أن كل واحدة منهن قد جامعها العشرات من المجاهدين (حسب وزير الداخلية التونسي لا السوري).. والأطفال القادمون لن تتمكن حكومته من معرفة نسبهم الشريف..

وكي ننزلها من الفضاء والأوهام علينا بتذكيرها بأن هجومها مثلا على ماسمته دعاية وبروباغاندا “جهاد النكاح” وعنادها في رفض حقيقة وجود جهاد النكاح هو بعينه ماطرحه كتاب الانسان المقهور عن أزمة التخلف التي تعشش في عقل الطبقة المتعلمة.. فالانسان المقهور يرفض كل الحقائق والاثباتات ويتشبث بالعناد الأجوف.. حيث يتسلط انعدام المنهجية في التحليل العلمي.. فيقع صاحبه في فخ “الصدّ المعرفي” وهذا البلاء يكون حتى على مستوى الجامعيين والأكاديميين الذين ينتجهم مجتمع الانسان المتخلف المأزوم معرفيا وانسانيا ونفسيا.. فالعقل المتخلف يتميز بالتحيز التلقائي العنيف نظرا لتدخل العواطف والعوامل الانفعالية في قبوله للأشياء..

لو كانت العالمة الفيزيائية تعرف شيئا عن المجتمع المتخلف لما تنطحت للدفاع عن هذه الظاهرة ونفيها بيقين.. ولعرفت ماذا يعني الاستلاب الجنسي والعقائدي والاقتصادي للمرأة في ثقافة التخلف حيث تختزل المرأة الى وعاء للمتعة ويتضخم البعد الجنسي لجسدها الى حد ورمي مريض.. ويتمدد الافراط في اختزال الجسد الانثوي الى مجرد وظيفة جنسية الى حد الشطط والقسوة والجنون الأقصى.. وعندها ستعرف كيف يمكن أن يخترع الناس جنون الجنس وثورات النكاح (راجع سيكولوجيا الانسان المقهور من صفحة 199 – 225 من قسم المرأة)..

المجتمع الثائر لدينا في الحقيقة في معظمه مجتمع متزمت دينيا وخاصة في الأرياف بدليل أن المجاهدين يريدون اقامة امارات اسلامية وليس جامعات ومعاهد.. وجميع نسائهم منقبات في دلالة على سيطرة ذكورية مطلقة واستعباد للجسد.. وكلهم يريدون حكم الشرع والشريعة الوهابية الظلامية.. ولذلك تبدو قضية جهاد النكاح ترجمة طبيعية لمأساة الاستلاب الجنسي في المجتمع المتزمت المتخلف الذي يصادر الجسد الانثوي ويحكمه بقوة القانون الشرعي والفتوى الالهية.. ومع ذلك تصر العالمة على انكار العلم والعلوم الاجتماعية واعترافات مؤلمة وموثقة لوزير من دولة “ثورية” وتصدق بيانا من بيانات الثوار يتهرب من الحقيقة المخجلة..

الثورجية ريم في تعريفها لنفسها على صفحتها في الجامعة البريطانية تعرف بنفسها على أنها عضو باحث في قسم الفيزياء وأنها لاتبحلق في السماء بالتلسكوب بل تصنع نماذج على الكومبيوتر وتضع فرضيات (وهي الطريقة الدراسية التقليدية في ذلك المجال).. ولكنها في تفنيصاتها السياسية لاتبحلق في الواقع بل تضع نظريات وتنشرها بين الناس دون أدنى احترام للاستقصاء والنهج العلمي في البحث عن اليقين.. فهذه العالمة في بعض مقابلاتها السابقة كانت تقول ان النظام يقصف بالصورايخ والبراميل المتفجرة المدنيين فتسبب بحالة اللجوء ولكنه كان يترك الأبنية التي تتمركز فيها القاعدة دون أن يمسها لأنه يريد للقاعدة أن تمسك الثورة!!! (تكبيررر).. وهذا هو ما يمكن تعريفه أنه النظر الى المريخ بالتلسكوب دون النزول عليه.. يعني تهويمات واجتهادات على الكومبيوتر من بريطانيا.. فهي لاتعرف لماذا لاتقدر الدولة على قصف مواقع علنية للقاعدة.. والسبب طبعا هو أن فيها مئات المحتجزين المدنيين والرهائن العسكريين الذين تستعملهم القاعدة دروعا بشرية.. واكبر دليل على ذلك مثلا هو عدرا العمالية.. وبعض المناطق الشهيرة في حلب..

والعيب الذي يستحق عليه ان ينظر اليها بازدراء هو ما قالت بأن المشهد الذي يصور اعدام فتاة سورية بسلك معدني في الرقة على يد الاسلاميين ليس صحيحا.. أي ان مايتناقله العالم عن قصص البراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية على المدنيين السوريين صحيح أما مشهد صريح لاعدام الفتاة السورية بالسلك فهو غير صحيح.. وهنا نسأل العقل المتخلف المسكين سؤالا منطقيا: هل يعني هذا أيضا وبنفس المقياس بان الثورة المباركة قد روجت اكاذيب عن جثث ومذابح النظام أم ان الاكاذيب لها اتجاه واحد وأن الثورة لا تكذب؟؟

اذا قبلنا تفسيرها الجريح فان عليها ان تقبل أن الثورة قامت على البرباغاندا المشوهة أيضا.. والسيدة “العالمة” وضعت على موقع جامعة امبريال كوليج عنوانها وعنوان بريدها الالكتروني ويمكن ان نرسل بها كل الوثائق والصور والعناوين ومشاهد الذبح بالمئات والاعدامات والمذابح الجماعية بيد الثوار.. واذا ارادت يمكن ان نرسل هذه الصور مع عناوين المذبوحين واسماء اولادهم وزوجاتهم وعناوين بيوتهم الفقيرة وفي أحيان كثيرة أسماء القتلة والذباحين فاننا على استعداد لذلك.. ويمكنها عندها أن تبحلق فيها من دون تلسكوب لتقول لنا ان كانت مفبركة أيضا ولاتستحق التعليق..

ومايدعو للغضب هو أن يتنطح كل حامل شهادة لممارسة السياسة وهي ليست من اختصاصه.. وأن يفرش شهادته العلمية مثل سجادة حمراء للمشاريع الثورية أو كبساط الريح لاكتساب الشهرة.. ومايدعو للاشمئزاز أن يجعل منها سرجا يضعه على حمار الثورة ليحمل الناس والجهلة والأغبياء والمساكين في الأرياف الفقيرة الى المراثي والكوارث والمآزق الاجتماعية ومخيمات اللجوء.. فالباحثة الفلكية وعالمة الفيزياء تدلي بدلوها منذ بداية الأحداث في كل صغيرة وكبيرة حتى في الحروب والمواجهات والمجاعات وتقديم الرؤى السياسية للكتل الدولية.. وتوقعات النجوم لمستقبل ومصير الرئيس الأسد.. وبالطبع يكفي أن يشير المذيع الى انها عالمة فلكية في قسم الفيزياء في الامبريال كوليج حتى يعتقد المشاهد أن روح نيوتن تخاطبه وأن ستيفن هوكينغ قد ارسلها في مهمة خاصة بالأزمة السورية ..

ودعوني هنا أقتبس من كتاب التخلف الاجتماعي (مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور) العبارات التالية التي تبدو مطابقة لما نعيشه من مأزق في خلط الأشياء وتداخلها وربما نكتشف اذا ماأعدنا قراءة الكتاب أنه مدخل الى سيكولوجية المعارض العربي ودخول الى عقل ودهاليز نفسية ريم تركماني: يلاحظ هناك تداخل بين أعلى درجات التنظير الفكري واشد اشكال التخلف في الممارسة.. وهناك احيانا هوة بين الفكر والواقع المعاش.. كما أن الفئات الاجتماعية المتميزة والمتعلمة مثلها مثل الفئات المغبونة فهي لاتخلو بدورها من التخلف على جميع الصعد.. وهي تتصف بالخصائص نفسها التي تتحكم بالطبقات المغبونة.. وهذه الفئات تتستر بقناع زائف من التقدم يكفي انتزاعه حتى نتحقق من أن سلوكها تحكمه المعايير والآراء التي تحكم الانسان المقهور المتخلف.. فهي تتمتع ببعض مظاهر التقدم لكنها تبقي مظاهر سطحية.. وتنتج مايطلق عليه الباحثون في علم اجتماع التخلف (أثر الاستعراض).. ويقصد بهذا المصطلح محاكاة المظاهر الخارجية للتقدم دون أن يصل الى حد الانتاح الابتكاري.. شأن الكثيرين من متعلمي البلاد النامية.. فوراء العلم الظاهري تظل النظرة الأساسية للوجود والاشياء ذات طابع متخلف.. ومن هنا نشأ علم “اجتماع التخلف” لأن نظريات علم الاجتماع التقليدي لاتنطبق على هذه العينة البشرية.. المتخلفة..

——————————————————

قد يقول البعض انني أهاجم من لايتفق مع وجهة نظري ولكن الحقيقة هي انني اريد ان يتوقف هذا الهراء والاستهتار بالعلمية والموضوعية.. وان نتوقف عن انتاج حالة التخلف التي ينتجها فريق من المجتمع كان عليه أن يوجد حالة القطيعة مع حالة التخلف لكن هذا الفريق في الحقيقة هو من يقود عملية التخلف والتقهقر عبر دفع كل من له لقب أو يحمل شهادة الى ممارسة السياسة.. فالسياسة ايضا علم وتجربة غنية وتحتاج تفرغا ولايمكن ان تكون طارئة وعملا اضافيا.. ويمارسها الهواة والطامحون والغاضبون وطلاب الشهرة.. فالفاشلون علميا هم من يمارس السياسة.. فيمكن لجورج بوش أو رونالد ريغان أو تيودور روزفلت أن يمارسوا العمل السياسي في فترة من حياتهم ولكن لايبدو مستحبا أن علماء وكالة ناسا يمكن أن يمارسوا السياسة ويشكلوا تيارات سياسية وهم يعملون في معاهدهم لاستغلال وظائفهم العلمية في الترويج لبرامح سياسية والا تعرضوا للفصل والابعاد..

وربما قرأ أحدنا لبعض الباحثين شيئا في السياسة ولكنه يبقى على الدوام بعيدا عن التدخل العميق ويبقى مجرد رأي عام.. فمثلا قرأت لستيفن هوكينغ عن الأزمة السورية.. ولكن مقالته كانت مجرد رأي موضوعي انساني عام يدعو فيه الى النظر بانسانية الى نتيجة الجدل السياسي والكارثة الانسانية.. ولكنه لم يلم النظام ولا المعارضة لأنه ليس اختصاصيا في السياسة ولايجد ان له الحق قي توجيه النصائح كما لو كان يحاضر في كتاب “التاريخ المختصر للزمن”.. وادلاؤه بدلوه الرصين هنا مقبول جدا ولايعيب موقعه العلمي.. وقد لاحظت من خلال احتكاكي بالغرب أن هناك عملية تخصص وفصل بين العلم والسياسة أكثر صرامة من الفصل بين الدين والدولة.. فالباحثون في الشؤون العلمية والأكاديمية لايتدخلون بالسياسة ويتركونها للسياسيين.. يقولون آراءهم ولكن لاينخرطون في العمل السياسي والأكاديمي في نفس الوقت.. ومن يرغب في قيادة العمل السياسي يترك موقعه الأكاديمي ويتفرغ للسياسة تماما.. اما المعارضون العرب فيبقى في عمله الأكاديمي وينظّر في السياسة ويطعم السياسة من طبق العلم والفيزياء ويسقيها من الفيمتو ويرصعها بالكواكب والنجوم.. ويرصع اسمه بالألقاب الوهمية..

وقد انقشع الغبار عن هذه الظاهرة الملفتة للنظر في المعارضات العربية ولكنها تجلت في أكثر الأشكال ابتذالا وانحطاطا في الأزمة السورية وأبطال معارضتها والتي أنتجت بضاعة جديدة لم تسبق اليها وهي ” تسييس العلوم والفيزياء”.. فما يثير الاستغراب هو ظهور مذهب سياسي جديد وتجارة جديدة يتم فيها دمج العلم بالسياسة.. وترصيع المعارضة بالفيزياء والكيمياء وأسماء العلماء.. حيث تم تسييس الشهادات والمؤهلات العلمية وبيعها في المزاد العلني في أسواق السياسة والنخاسة.. وصارت الشهادة العلمية هي التي تطعم الموقف السياسي وتخدمه لا العكس.. وصار لكل شهادة ثمن في مماحكات السياسة.. وهذه ظاهرة تدل على خلل بنيوي حقيقي في مفهوم العمل السياسي العربي.. وخلل أكبر في فهم العمل المعارض.. وتصورات مشوهة للعمل الثوري والسياسي بل ولدور طبقة المتعلمين في المجتمع الناهض.. ولكنها أيضا تشير الى عملية احتيال وسرقة وسطو على المكانة الراقية للعمل العلمي وتوظيفه بشكل انتهازي وقح في السياسة.. وتوظيف غبي ينطلي على أغبياء المعارضين فقط.. وكما يسرق الثوار المعامل والصوامع فان حملة الشهادات منهم في الغرب الذين درسوا على حساب الشعب السوري ودولته الوطنية يبيعون شهاداتهم العلمية لصالح برامج وأجندات سياسية كما لو كانوا يبيعون شوالات الحبوب المسروقة في الرقة وحلب.. ولايكتفون بالبيع بل يبيعونها مغشوشة أيضا..

وقد يقول قائل بأن ربط العلم بالسياسة صنعة يهودية مثل استعمال اسم نوبل اليهودي واينشتاين.. ولكن هذا مثال خاطئ جدا.. فعندما تستعمل الصهيونية اسم ألفريد نوبل اليهودي لغايات سياسية وتمنح الجائزة لمن ترضى عنه المؤسسات الصهيونية فهي تتكئ على مخترع الديناميت الذي أثّر في التاريخ العسكري والسياسي كله.. وعندما ينشق ألبرت اينشتاين عن الدولة الألمانية النازية فان استعمال اسمه في البروباغاندا ضد الألمان سلاح قوي ومبرر لأن اينشتاين صاحب النظرية النسبية التي غيرت العالم والفيزياء.. ولأنه يهودي معني بمشروع الدولة اليهودية.. ولكن أن لانملك نوبل واينشاتين لايعني أن علينا أن نمارس الاحتيال على الناس والضحك على اللحى.. ونخترع العلماء والاينشتاينات.. ونفقس العلماء الذين ما أوتوا من العلم الا قليلا..

انني أحس أن كلمات جبران التي تقول محذرة الامم: ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج وتشرب مما لا تعصر انما هي كلمات تعني صناعة الحرية وصناعة المعرفة.. وزراعتهما وعصرهما.. فالحرية لاتستورد.. والمعرفة لاتمارس الغش.. بل هي التي تجب زراعتها وحياكتها وعصرها وصناعتها بيد الأمة لا بيد غيرها.. وكي نزرع ونصنع الحرية والمعرفة علينا اقتلاع مكونات التخلف الاجتماعي وبذورره.. والبدء باعترافات قاسية بأننا متخلفون جدا من رأسنا حتى أخمص قدمينا.. وأن قادة التخلف الاجتماعي وصناعه.. هم أنفسهم المتعلمون الذين لايعلمون.. والذين لايزرعون.. ولاينسجون.. ولايعصرون.. بل يسرقون ويحتالون وينشرون القيح.. والقبح..

11 آذار 2014

رصاصة واحدة في الجولان، السعودية وعظام الديناصور

429952_324090830971997_12655456_n

نارام سرجون

ماأجمل اشارات الاستفهام واشارات التعجب عندما تقف تتحدى العقل والفطرة.. وماأجمل وقفة “لماذا” بكل قسوتها وهيبتها في بداية الكلام.. وماأروع تحدي “كيف” التي تشبه القضاة الصارمين.. وطوبى لتحريض “متى” على الشك والتمرد.. وهل لجبروت “هل” من مثيل في نواصي الكلام؟.. بل هل أبالغ ان قلت بأن أجمل تاج ترتديه العبارات هو تلك الاشارة العظيمة التي تشبه الصولجان وتسمى اشارة الاستفهام؟؟.. وليس مفاجئا أن نعرف أن أهم اكتشاف في علم الكتابة على الاطلاق هو اشارة الاستفهام.. لأنها هي التي قادت ثورات العقل البشري وفتوحاته الكبرى.. وثوراته كلها.. وهي التي هدمت الأوهام.. وبسببها يستعد المريخ للاستسلام للانسان..

فما أعنف الكلام الذي يتسلح باشارات الاستفهام ويشهر اشارات التعجب كالسيوف.. وكم هي جليلة مواكب الكلام التي تجرها أبهى الخيول المطهمة.. خيول لماذا وكيف ومتى وهل.. فاسمحوا لي ان اقدم لكم قادة الكلام.. وملوك البيان.. وزعماء الثورات.. أدوات الاستفهام والتعجب.. التي لاتقهر..

لايكره الأغبياء شيئا في الوجود مثل اشارات وأدوات الاستفهام لأنها تصيب العقول البليدة بالشلل والصدمة والفالج لما فيها من كمية هائلة من الكهرباء والطاقة والصدمات عالية التوتر.. فكهرباء اللغة وبيوت طاقتها ومناراتها هي في “اللماذا” و”الكيف” و”العلام” وأيّان ووو.. وليس في الحكايات والروايات التي ترويها شهرزاد.. والجزيرة.. والعربية.. وصحف الربيع العربي.. ونشرات بان كيمون البائسة..

مادعاني الى أن أستل اشارات الاستفهام والتعجب من أغمادها.. وأن أخرجها كالكنوز المخبأة.. هو ماسمعته من هراء نطق به ممثل المملكة العربية الاسرائيلية (السعودية) في الأمم المتحدة في سياق سجاله مع الدكتور بشار الجعفري.. وكان ماقاله ممثل المملكة سببا في اكتشافي لكنوز من الاسئلة واشارات الاستفهام التي كانت دفينة تحت رمال الزمن.. فالرجل قال (في سياق رده على الاتهامات السورية للسعودية بالتنسيق مع الموقف الاسرائيلي في الازمة السورية والتوتر في المنطقة) بأن السعوديين يعرفون كيف تم اسكات الجولان السوري أربعين عاما خدمة لاسرائيل.. كما أن دور النظام السوري وتنسيقه مع الاسرائيليين بهذا الشأن لانقاش فيه.. أي أن المندوب السعودي يريد أن يعيد اختراع العجلة التي اخترعتها الثورة السورية عن قصة “الأربعين عاما” الصامتة في الجولان.. وقصة “الرصاصة الواحدة التي لم تطلق في الجولان”.. وطبعا طرحها المندوب السعودي بصيغة اليقين والعارف ببواطن الأمور.. وبنبرة المقهور الذي أفرج عن سر يقتله..

أرجو ألا تتوقعوا مني أن أناقش السعوديين والثورجيين بشأن الجولان.. ولاتتوقعوا مني أن أذكّرهم مثلا بتجربة السيد حسن نصر الله عندما قام باشعال جنوب لبنان عام 2006.. فأصيبت السعودية كلها بالهستيريا وأقامت الدنيا ولم تقعدها على مغامرة حزب الله غير المحسوبة بدل أن تبارك محاولته الشجاعة.. واستشرست المملكة في معاقبة حزب الله على تحريكه للحرب ومنعت الأوامر الملكية السعودية الطائرات التي تمر بالأجواء السعودية وتحمل ذخائر ايرانية لحزب الله من المرور في أجوائها.. ووصل الأمر حدا جنونيا فمنعت نفس الأوامر الملكية رجال الدين حتى من الدعاء له في المساجد في اشارة مبطنة للدعاء عليه.. وهذا ماأغضب الرئيس الأسد فأطلق على حكام المملكة توصيفه الشهير (أنصاف الرجال) الذي التصق بهم ولن يرحل عنهم حتى يرحلوا.. وبالطبع لن أعيد على مسامع المندوب السعودي ومملكته وملكه المتعب كيف أننا وقفنا وحيدين في الجولان منذ أن خرجت مصر الى كامب ديفيد ومات الاتحاد السوفييتي بالسكتة القلبية.. وتاه العراق في السباحة على شط العرب يتشاجر مع ايران قبل أن يقتل في الكويت.. ووقف رعاة البقر بعدها خلف ظهرنا في العراق ودفعوا البقر نحونا من لبنان عبر ثيران الحئيأة والاستئلال والمستأبل.. فيما كان أنصاف الرجال لايسألون عن الجولان ولا عن الرصاصة الواحدة التي لم تنطلق في الجولان..

ولاشك ان كل اشارات الاستفهام وأدوات التعجب في كل لغات العالم قد أمضت مجتمعة ليلة من الضحك من اتهام مندوب السعودية لسورية بالتقصير في مواجهة العدو الصهيوني.. وقد رأيت بنفسي أن “كيف” انقلبت على ظهرها من شدة الضحك.. وأن “هل” كانت تدمع من فرط الضحك وكأنها تسمع لسرحان عبد البصير وهو يردد عبارته الشهيرة وهو يغمز بعينيه: ان المملكة العربية السعودية “متعودة دايما” على النضال.. والمقاومة..

وقد تداولت اللغة أن “لماذا” قد أغمي عليها وهي تضحك حتى ازرق وجهها.. وهي ترى مسلسل “مملكة ضايعة” حيث انتهى مسلسل أم الطنافس.. لأن مسلسل طنافس آل سعود قد بدأ..

لقد أوحى كلام المندوب السعودي وكأنه مطلع على أسرار غض الطرف السوري عن الاسرائيليين في الجولان.. ومن يسمع الرجل وبيانات السعودية ولهجة التخوين في محطة العربية وكيف تشرح للناس تخاذل النظام السوري عن تحرير الجولان الذي يردد الجميع الآن نفس العبارة في اللوح المحفوظ (اربعون عاما لم تطلق رصاصة واحدة) يعتقد أن السعودية كانت على مدى أربعين عاما توبخ النظام السوري على سكوت الجولان وتمارس الضغوط عليه لفتح الجبهة.. وكانت تدعو الجامعة العربية لطرد النظام السوري الذي يعاند في اطلاق تلك “الرصاصة العزيزة” على قلب المملكة وقلوب الثوار التي لم يطلقها النظام السوري في الجولان..

ومن كثرة تفجع المملكة وتألمها على الجولان وتضييع فرصة الجهاد في فلسطين عدت الى ملفاتي ومذكراتي ورفوف الزمن لالأبحث عن رواية “آلام فرتر” لأقرأها.. أو لأعيد قراءة “العبرات” و”النظرات” لمصطفى لطفي المنفلوطي.. ولا لأفتش عن كتاب ناصر السعيد الشهير.. بل كنت أبحث في كل كتب التاريخ عن أسماء المواقع التي شهدت معارك اسرائيلية سعودية خلال مئة سنة فلم أتعثر باسم موقعة واحدة.. وهنا دعوني أستل سؤالا من الأسئلة التي تشبه أسئلة تشارلز داروين التي حطمت الكتب المقدسة.. وتشبه سؤال نيوتن عن الجاذبية الذي بنى الفيزياء المقدسة.. وهو سؤال اتفقت أدوات الاستفهام على ايفاده نيابة عنها لفخامة المندوب وملكه وجميع آل أنصاف الرجال.. هذا السؤال هو: كم هو عدد الشهداء السعوديين الذين سقطوا على أرض فلسطين حتى هذه اللحظة؟

المملكة تبحث عن رصاصة واحدة لم تطلق في الجولان.. وأنا أبحث عن اسم شهيد سعودي واحد سقط برصاصة اسرائيلية.. بحثت عن أسماء الشهداء السعوديين الذين سقطوا على تراب فلسطين لأقارنهم بما قدمنا في سورية في معركتنا ضد اسرائيل من أجل فلسطين.. فلم أجد اسما واحدا.. كلما كنت أمد يدي الى رفوف الذاكرة أفتش عن اسم سعودي واحد قتلته اسرائيل أو سعودي واحد أسرته اسرائيل فلم أجد.. عن سعودي قاتل في اسرائيل أو شد الرحال للجهاد في فلسطين لم أجد.. لم توجد حادثة واحدة على مدى الصراع العربي الصهيوني قام فيها سعودي بصفع اسرائيلي.. مئة عام كاملة ولايوجد خدش واحد تسببت به السعودية او رعاياها لاسرائيل.. وبعد هذا يبكي السعوديون على صمت الجولان والرصاصة العزيزة التي لم تنطلق..

وبتوسيع دائرة السؤال نصل الى سؤال خطير آخر هو: كم هو عدد الشهداء الخليجيين عموما (من مجلس التعاون الخليحي العظيم) في الصراع العربي الصهيوني حتى هذه اللحظة؟ أو أعطوني اسما واحدا فقط من مجاس التعاون الخليجي سقط في عملية استشهادية في اسرائيل.. أو كان اسيرا.. أو استشهد وسميت مدرسة باسمه أو شارع.. أو صفع اسرائيليا أو كتب شعارا على جدار.. أو سافر عبر الأنفاق ليعطي شمعة لفلسطيني لاصاروخا.. فلم أجد.. صدقا لم أجد..

لاأدري ان كانت هناك مؤامرة بعثية أو ناصرية أو قومية أو شيوعية لطمس تضحيات “الشعب السعودي والقيادة السعودية” وقيادات الخليج العربي المحتل في مشروع الجهاد ضد العدو الصهيوني.. ولكن منذ أن نهضت ذاكرتي وحملت رفوفها ملايين اللحظات المؤلمة وملايين الومضات المشرقة والأحداث والاسماء الا أنني لم اعثر على اسم شهيد واحد سعودي طيب بدمه ثرى فلسطين.. لاأذكر.. قسما لاأذكر.. ولاحتى شهيد واحد من مجلس التعاون الخليجي الموقر الذي حارب أبناؤه في كل المعمورة الا في فلسطين..

تخيلوا ان هناك مقاتلين يابانيين قاتلوا في فلسطين.. وهناك شهداء أمريكيون مثل راتشيل كوري التي سحقت تحت بلدوزر وهي تدافع عن بيوت الفلسطينيين.. وهناك شهداء انكليز من اصول انغلوساكسونية قتلوا في فلسطين مثل الناشط توم هوراندال الذي كان يرمي الحجارة على الجنود الاسرائيليين.. وفنزويليون وعلى رأسهم كارلوس الشهير الذي يقضي عقوبة بالسجن المؤبد في فرنسا بسبب انضمامه لنشاط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. وهناك كوبيون.. وايرانيون.. ومن كل البلاد العربية الا دول الخليح العربي وبالذات السعودية.. وان كان هناك من اسماء شهداء أو معارك لم أسمع بها فربما لأن السعودية “الشقيقة” قد أهملت هذا الجانب المضيء في شعبها وعتمت عليه لأنها لاتريده ان ينمو ولاتريده أن يصبح جزءا من ثقافة شعبية.. ولكن بالفعل لايوجد شيء واحد في الوجود اسمه معركة أو كتيبة سعودية قدمت شهداء ضد اسرائيل.. يعني أستطيع أن اقول لكم وكلي يقين أنه يمكن أن نكتشف عظام ديناصورات أو ماموث في فلسطين ولايمكن اكتشاف مستحاثة أو بقايا عظام من أصل “سعودي” أو لحية سعودية أو عقالا من عقالاتهم.. فماهذه الظاهرة الغريبة؟.. وماهو السر الذي يمنع الشعب السعودي بملايينه من تقديم قربان واحد ضد اسرائيل؟ رصاصة واحدة فقط منذ نشوء اسرائيل لم تنطلق من بندقية سعودية على مدى مئة سنة كاملة من الصراع العربي الصهيوني الذي بدأ في بدايات القرن الماضي.. وكان المتطوعون السوريون والمصريون والعراقيون واللبنانيون يتدفقون الى فلسطين.. ولكن غابت السعودية كليا وكأنها غير موجودة على الخارطة الجهادية.. وغاب شبابها نهائيا.. ولاتستطيع المملكة المباهاة حتى بشهيد واحد على مدى قرن كامل.. أليس هذا شيء يدعو الى التعجب والاستفهام؟ أليس هذا العار فوق كل عار؟

السوريون والمصريون والللبنانيون هم أكثر من ضحى واستشهد في فلسطين.. وكل رصاصة أطلقت في فلسطين أطلقتها من فوهات البنادق اصابع سورية ولبنانية ومصرية ومن كل العرب الا عرب الخليج وبالذات ابناء المملكة السعودية.. كل الرصاص الذي لم تنم جفونه حول اسرائيل منذ مئة سنة هو في بنادق السوريين وحلفائهم..

هل يمكن أن تتخيلوا مثلا أن نقرأ خبرا يقول التالي: “بعد اعتداء المستوطنين الاسرائيليين على المسجد الأقصى اشتبكت القوات العربية السعودية مع لواء غولاني الاسرائيلي وخاضت معارك ضارية معها.. وقد تمكنت القوات السعودية المدرعة البطلة من تدمير ست دبابات ميركافا.. فيما تمكنت طائرات تايفون التي حصلت عليها المملكة من التصدي لغارات الطيران الاسرائيلي وأجبرتها على الانكفاء بعد اسقاط طائرتين اسرائيليتين.. وقد تم أسر الطيارين الا أن جيش محمد (وهو ميليشيا شعبية اماراتية وكويتية وقطرية) قام بذبح الطيارين الاسرائيليين.. وفيما كان رجال المغاوير السعوديون يغيرون على المواقع الاسرائيلية نفذ استشهادي سعودي من آل العنزي عملية جريئة ضد قافلة من الجيش الاسرائيلي.. وقد استشهد من جراء هذه المعارك عشرون جنديا سعوديا.. وتردد أن الأمير بندر بن سلطان هدد باحراق نصف اسرائيل ان هي تجرأت على اقتحام المسجد الأقصى أو لمسه.. فيما قام خادم الحرمين الشريفين بدعوة مجلس الامن للانعقاد في جلسة طارئة ورتب زيارة عاجلة يجول لها على عواصم القرار.. ونوه الى أن على العالم..الخ “.. أليس هذا خيالا من خيالات شهرزاد؟.. وقصص سندباد وعلي بابا وأفلام الكرتون والرجل العنكبوت؟

هل المشكلة في شعوب الجزيرة العربية أم في الحكومات؟ وماهو هذا الترياق والسم الذي شربه شعب الجزيرة العربية في كؤوس محمد بن عبد الوهاب؟ أين هو السر الذي لانعرفه في سبب أن أبناء السعوديين قاتلوا في كل الدنيا وماتوا بعشرات الآلاف ولكنهم لايرتاحون للجهاد في فلسطين؟.. ولماذا لانسمع بشهيد اماراتي أو كويتي أو قطري استشهد في فلسطين؟.. لكننا نراهم يموتون كالذباب في تورا بورا وغابات الفلبين وادغال كينيا وشوارع العراق وسورية ويناطحون أبراج نيويورك.. يموتون في كل أراضي “الجهاد” في العالم الا في فلسطين؟ ويقاتلون كل الأمم الا اسرائيل!!!.. فيما سئمت ملاهي الدنيا ومقاهيها من تهتك سياح سعوديين وكل القادمين من بلاد النفط والغاز..

لاداعي لممارسة النفاق والقاء المبررات والاعتذاريات والمدائح العربية والثرثرة بأن الشعوب العربية لا تعكس وجهة نظر الحكام.. فأمامي ظاهرة غريبة تحتاج الى تفسير.. كيف لا يوجد مواطن سعودي واحد فقط فكر في أن يتمرد على الناموس الذي أقرته حكومة المملكة وحكومات الخليج؟.. وفي نفس الوقت كيف يتدفق عشرات الآلاف من أبناء السعودية لذبح السوريين والعراقيين واللبنانيين واعلاء كلمة الله.. الا في اسرائيل؟.. أليس لله كلمة في اسرائيل؟.. أعتقد ان السر الكبير يكمن في الدور القذر للعائلة المالكة السعودية التي قامت بعملية استئصال كاملة لروح الأمة.. وقامت بأكبر عملية تحنيط لمجتمع كامل بكل ملايينه.. حتى تحول الى مجتمع غريب محنط يكره كل العالم ويكرهه كل العالم.. يقاتل حيث يجب ألا يقاتل ويغيب حيث يجب الا يغيب..

الملوك دوما يحاولون تحنيط البنادق والعقول.. فالملك حسين كان دوما يحاول أن يستنسخ النموذج السعودي لتحنيط الاردنيين بالتدريج لكنه كان مرغما على لعب أدوار البطولة العسكرية أمام الشعب الأردني.. فهو لم يكن له خيار لأنه موجود في بلاد تنتمي ثقافيا وتاريخيا الى بلاد الشام وهي خزان رصاص الشرق واللعب بمزاج الرصاص خطر.. وهناك التحام بين فلسطين والاردن وسورية.. وعندما حاول جده التلاعب والتنسيق مع الوكالة اليهودية تذوق رصاصات “مصطفى عشو” الذي نفذ فيه القصاص لأنه تخاذل وخدع الشعب الفلسطيني.. ولكن الملك حسين المحتال والمراوغ كان يفاجأ بالأحداث التي تجره الى الحرب دون ارادته ويقدم فيها الاردنيون الشهداء رغما عنه.. والبطل مشهور الحديثي الذي صنع معركة الكرامة الشهيرة صنعها لأنه تمرد على قرار الملك بالنأي بالنفس عن مواجهة الاسرائيليين.. فأنجز نصرا رغما عن الملك والمملكة الهاشمية النائية بنفسها.. فأسقط في يد الملك وهو يتحول الى ملك للمقاومة على غير توقع ودون رغبته أو ارادته.. ولكن الملك صادر البطولة من مشهور الحديثي وتفاخر بالشهداء من أجل فلسطين.. وفي نفس الوقت قام باحالة الحديثي على المعاش.. ومن يومها لم تقدم المملكة انجازا عسكريا ونأت بنفسها نأيا مابعده نأي.. ولم يغامر ضابط أردني على الذهاب مبكرا الى المعاش.. وقطع دابر “الكرامة” وكل من يريد أن يكون (مشهورا)..

أما السعودية فليس فيها مشهور حديثي واحد.. ولايوجد فيها من تطوع أو أرسلته المملكة للقتال ضد اسرائيل.. والكتيبة التي أرسلتها السعودية في نهاية حرب تشرين الى سورية كانت مثل تمثيليات أردوغان وبطولاته وعنترياته الخشبية ولم تشارك في اطلاق رصاصة واحدة.. وقد روى لي ضباط سوريون زاروا تلك القطعة العسكرية السعودية التي تموضعت على الاراضي السورية أنها لم تكن مخولة باطلاق النار.. وكان افرادها منهمكين في الطبخ.. وصيد العصافير.. كان جيشا يستحق الشفقة والرثاء.. ولم يكن لهم هم القتال ولا المواجهة والشهادة بل العودة الى المملكة لقيادة سياراتهم الامريكية..

القضية ليست في غضب المملكة على صمت الجولان فالسعودية لاتكترث بالجولان وهو لايساوي عندها أكثر من جزيرتي تيران وصنافير السعوديتين المحتلتين مع الجولان السوري منذ عام 1967.. ولم تطلق السعودية يومها رصاصة واحدة لاقبل الاحتلال ولابعده.. ولم تطلق كلمة واحدة.. أو شكوى واحدة.. أو حتى ريحا.. وكأنهما غرقتا في البحر الأحمر في زلزال..

ويخطئ من يعتقد ان للسعودية ثأرا مع الرئيس بشار الأسد.. السعودية بالتأكيد ليس لها ثأر شخصي مع الرئيس الأسد بسبب وصفه للعائلة المالكة بأنصاف الرجال.. بل تريد المملكة اسقاطه لأسباب لها علاقة بوضعها الوظيفي الاقليمي.. فالحكم السعودي على بداوته ليست له كرامة الرجال الذين يثأرون لكبريائهم بدليل ان الملك (نصف الرجل) جاء الى دمشق رغم أنه عرف أن الأسد يراه “نصف رجل” ولم يعتذر من هذا التوصيف.. وقد بالغ الملك في الثناء على الرئيس الأسد وأطنب في المديح له لأن المطلوب من المملكة في تلك المرحلة من قبل الامريكيين هو أن تقنع الأسد وتستميله لكي ينضم الى نادي “أنصاف الرجال” قبل أن تنضج مرحلة نادي النعاج.. أو نادي “النائين بأنفسهم”.. وقد قال الملك عبدالله (أبو متعب) فيما قال للأسد -حسب تسريبات – بأنه ليس من الضروري أن يصالح الاسد الاسرائيليين ولا ان يبرم اتفاق سلام معهم ولكن يمكنه أن يقطع علاقته بايران وحزب الله ويعوض عن هذه العلاقة بالصديق الجديد أردوغان وبحركة حماس.. وبدل ايران تتقدم تركيا لمؤازرته بكل ثقلها.. وبدل التحالف مع حزب الله الذي يثبت كتف اسرائيل في الشمال تتولى حماس نفس الدور انما من جنوب اسرائيل.. أي المعادلة الملكية جدا بسيطة: اترك ايران وحزب الله وسيحل محلهما تركيا وحماس.. ولايكون الأسد حسب زعم الملك قد خسر شيئا من قوته تجاه اسرائيل بل سيكون قد كسب الكثير لأنه سيحرر نفسه من الحرج ضمن محور شيعي.. ليتحالف مع محور سني صرف وهذا ماسيحرر المملكة من نفس الضيق والحرج أمام المدارس الوهابية التي لن ترتاح لمواقف سعودية فيها اختلاط بالموقف الايراني والشيعي.. وهذا ماسيضع حتى اسرائيل في ورطة لأنها لاتستطيع القول انها تواجه الخمينية بل تواجه العثمانية بارثها العظيم وتأثيرها في نفوس المسلمين “السنة”..

ويقال عن راوي الحديث بان الأسد استمع للملك بهدوء وتركه يسرد وجهات نظره “الثاقبة” وقد أدرك الأسد ان الملك الأمّي المتعب (نصف الرجل) والذي لايستطيع تأليف (نصف جملة).. لايمكن ان يكون بهذه العبقرية وأنه حتما قد تم تلقينه هذا الكلام المفخخ من قبل جهة ثالثة تريد شرا بنا.. وقد بدا ذلك في رده عندما قال للملك لامباليا بعرضه بأنه يرى بأن من الافضل أن تجتمع تركيا وايران وسورية والسعودية ومصر وحزب الله وحماس على نفس الموقف طالما أن الغاية هي فلسطين وان خسارة نصف هذه القوة عبثي وليس له مبرر في الوقت الذي تجمع اسرائيل حولها كل قوى الغرب (المسيحي) وهي دولة (يهودية).. أما نحن فنقسم الحلفاء الى سنة وشيعة.. كما أن اسرائيل على العكس قد تفكر عندها في استمالة ايران لأن اقتراح الملك (نصف الرجل) هو في الحقيقة مشروع لحصار ايران وليس اسرائيل التي ستستغل هذا الحصار لتسترد ايران.. وقد يتسبب ذلك بنهوض نزعة فارسية تعززها اسرائيل بأي ثمن ونعود الى ايام الشاه ونفس السيناريو والعداء العربي الفارسي العبثي..

الوظيفة السعودية كانت تشتيت الجهد السوري وما ان يتفكك تحالفه مع محور المقاومة حتى تنقلب تركيا وحماس ويبقى وحيدا فيؤكل الجيش السوري والشعب السوري وتتفتت سورية على غرار ليبيا والعراق اللذين سقطا بسهولة لأنهما كانا بلا حلفاء.. وبعدها يأتي دور مصر.. لأن الجيوش الثلاثة التي يجب تحطيمها هي الجيوش الثلاثة الرئيسية العربية العراق ومصر وسورية.. كي تصمت كل الجيوش ولاتطلق رصاصة واحدة.. في كل الشرق الاوسط.. ويتحول العراق وسورية ومصر الى جولان عملاق.. لاتحيط به رصاصة واحدة..

لذلك وكما هو واضح فان تحطيم أكاذيب العرب وثوار العرب لاتقوم به الدبابات والبلدوزرات والسيارات المفخخة.. بل كلمات مثل: كيف.. وهل.. ولماذا.. وكم.. ومتى..

فلماذا لايطلق الثوار رصاصة واحدة في الجولان على اسرائيل ويحرجون الأسد برصاصة واحدة نحو جندي اسرائيلي.. رصاصة واحدة فقط كافية لاحراج الأسد الذي لم يطلق جيشه رصاصة واحدة.. ثوار السعودية الآن هم في الجولان وعلى تماس مع جيش نتنياهو.. ولا يقدر الأسد كما تدعي السعودية على منع المجاهدين من الوصول الى الجولان وفلسطين.. لايحتاج ثوار السعودية في الجولان سوى رصاصة واحدة في الاتجاه الصحيح.. نحو الجنوب.. وليس نحو الشمال.. انني أتحداهم.. وكلنا نتحداهم.. والعالم يتحداهم.. ويتحدى انصاف الرجال.. وأنصاف النساء..

متى ستطلق السعودية رصاصة واحدة فقط في صنافير وتيران؟ كم انتحاريا سعوديا قتل نفسه في فلسطين؟.. وكيف لاتصدر فتوى جهاد واحدة لشباب المسلمين نحو تحرير الجولان؟.. وعلام.. ومتى..

ان أكبر عدو لثوار العرب وثورات ملوك النفط والغاز هي أدوات الاستفهام العنيدة القاسية واشاراتها المهيبة وعبوسها الرهيب.. بل في سخريتها اللاذعة.. التي تحاكمهم وتحاكم مشروعهم ومشروعيتهم.. وتحاكم قراراتهم ودمويتهم وعمالتهم وخيانتهم وغباءهم الذي أوصل مجتمعاتهم الى الخراب والدمار الأقصى والتشظي والتحنيط.. والمعركة التي بيننا وبينهم هي من أجل ألا تموت أدوات الاستفهام من اللغة ويجري دفنها.. فالمصيبة التي يريدون ايجادها هي فرض أجوبة جاهزة علينا واعدام أدوات الاستفهام وخلق ثقافة أن زمن الأسئلة انتهى لأن الثورة بزعمهم أجابت على كل الاسئلة وأحالت كل اشارات الاستفهام والتعجب الى التقاعد.. فالثورة حملت معها زمنا تموت فيه الأسئلة.. بعد أن تذبح كيف ومتى لأنها من أدوات الشك وتكسير اليقين.. ولايقين بعد يقين الثوار.. وبعد أن تنكح “لماذا”.. وتملك “أين” و”علام” ملك اليمين.. ويستحوذ على “هل” كما يستحوذ خليفة عثماني على غلام أمرد..

أما نحن فاننا هدمنا الربيع بأدوات الاستفهام الرهيبة فقط.. هدمنا الجزيرة وهدمنا الاخوان المسلمين وهدمنا الخيانات.. ونحن من أوقف الحمير التي حملت أسفار الثورة.. وسنهدم بصولجان الاستفهام ممالك الحمير وقلاعهم.. فلا شيء يهدم هذا الجنون العربي وهذا الربيع وهذه الممالك العاهرة مثل الكلام الذي تقوده أسئلة ثائرة.. فائرة.. هادرة.. أسئلة تهدم الممالك.. وترميها في المهالك..

6 آذار 2014

أهم ما جاء في الجلسة الأولى للحوار من مؤتمر جينيف 2

429952_324090830971997_12655456_n

نارام سرجون

السادة القراء الكرام.. وردتني بعض تفاصيل المناقشات في مؤتمر جنيف.. وقد تبين لي أن معظم ماورد في هذه التفاصيل دقيق.. هناك تفاصيل مهمة أخرى قيلت ولم تظهر في النص. يعتقد أن النص مأخوذ من تسريبات تغاضت عن ذكر أشياء هامة قالها الدكتور بشار الجعفري في الجلسة ولاتصب في مصلحة الطرف الاخر. لكن بشكل عام هذا كان جوهر الجلسة الاولى.

ماينقص قد يكون المقاطع التي يتحدث فيها أعضاء الوفد السوري وعلى رأسهم الدكتور الجعفري والتي من خلالها أثبت عجز الطرف الاخر عن قدرته على السيطرة على أي كان على الأرض سواء في حمص أو غيرها . كما أنه هناك كلاما هاما جدا في معرض رفض الوفد السوري لأستخدام لفظ ” وفد النظام ” عندما استخدم الوفد الأخر هذا اللفظ وكذلك الابراهيمي نفسه. كان هناك تأكيد أكبر من جانب الدكتور الجعفري على أن المسائل الأنسانية مكانها في دمشق بين السلطات السورية والأمم المتحدة ممثلة بمكتب الأوتشا وليس في جنيف.

وقد وجدت اطلاع المهتمين من أبناء الشعب السوري والوطنيين على بعض التفاصيل التي تصل ونتأكد من مصداقيتها.. لأن الشعب السوري الصامد يستحق أن تتم مصارحته واشراكه بكل المعلومات ويستحق أن توضع بين يديه كل الحقائق كيلا يتمادى الآخرون في تضليله.. والشعب الذي يتمتع بهذا القدر من المسؤولية والعنفوان يجب أن يطلع على كل صغيرة وكبيرة ويجب أن يكون المرجعية الكبرى والدليل الذي تهتدي به الوفود الرسمية وممثلو الشعب في أية مفاوضات وحوار..

———————————————————-

الجلسة الأولى للحوار من مؤتمر جنيف2 – مقر الأمم المتحدة (جنيف)

الإبراهيمي:

مهما كان سبب اللقاء لابد من الكلام حول معاناة الشعب السوري، وكيف يمكن أن يساهم كل واحد في رفع المعاناة، لذا أرى أن نخصص جلسة أو اثنتان أو ثلاثة خلال الأيام المقبلة للحديث حول هذا الموضوع، يمكن الحديث في وقف إطلاق النار في حلب وحمص، وإن كان هناك إمكانية لوقف إطلاق النار في أماكن أخرى.. بعدها لا بد من البدء في الحديث عن بيان جنيف الصادر بتاريخ 30 حزيران 2011، والنقطة الأساسية فيه وهي هيئة الحكم الانتقالية. كيف تتشكل هذه الهيئة؟ وما هي صلاحياتها الكاملة؟ ويمكن التكلم في أمور مختلفة وهي موجودة في البيان، ومنها بشكل خاص كيف نحافظ على مؤسسات الدولة؟ فنحن لا نريد عراقاً آخر. وأيضاً التكلم حول كيفية عودة الثقة بين الناس؟ وحول موضوع مهم وهو المصالحة وكيف تتم؟ وعلى أي أساس؟ ومن أين نبدأ؟ وكيف؟ حيث يمكن أن يكون هناك مؤتمر وطني للمصالحة. وينبغي الاتفاق حول كيف ومتى يتم الحديث في هذه المواضيع وغيرها من المواضيع المفصلية مثل الوضع الدستوري وكيف ننتقل من الوضع الحالي إلى سورية الجديدة، ويمكن أخيراً مناقشة موضوع الانتخابات ومتى تتم وكيف، وسنقوم لاحقاً بدراسة كل هذه التفاصيل، بالإضافة إلى التباحث حول كيفية تخفيف العنف، ولا شك أنه قد أصبح في سورية أجانب، وفيها إرهاب، فكيف نواجه هذا الإرهاب؟ وكيف نُخرج هؤلاء الأجانب من سورية أياً كانوا؟

نرجو عندما يعود الأمر إلى وضعه الطبيعي وينتهي الكابوس أن يصبح أمن البلاد هدفٌ نسعى جميعاً لتحقيقه.

ملاحظة جديرة بالاهتمام: اقتصرت الجلسة الأولى المشتركة على كلمة للابراهيمي.

–       حاول الابراهيمي في الجلسة الأولى رسم خريطة أولويات تبدأ بهيئة الحكم الانتقالية وتنتهي بوقف العنف على عكس وثيقة جنيف1 التي تبدأ بوقف العنف.

أهم نقاط جلسة الحوار الثانية من مؤتمر جنيف2، مقر الأمم المتحدة (جنيف)

السبت 25/1/2014 الساعة 16.00 مساءً

هادي البحرة:

قال أنه تم تقديم طلب من الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الإنسانية لـ2500 مواطن، أي حوالي 500 عائلة بينهم 500 طفل في حمص القديمة.

المطلوب وقف إطلاق نار لمدة 8 ساعات يبدأ من الساعة 10 صباحاً كحد أقصى من أجل المرور الآمن.

الإبراهيمي:

آمل أن يكون هناك ترتيب يسمح بتكرار العملية كل شهر أو خمسة عشر يوماً حسب ما تتطلبه الحاجة. ويتم في ذلك اليوم توقيف العمليات العسكرية بشكل مؤقت.

الجعفري:

نظّمنا مع الأمم المتحدة أكثر من 20 قافلة إنسانية حتى الآن وهذا بعلم منظمات ووكالات الأمم المتحدة بما فيها المفوضية العليا للاجئين وبرنامج الغذاء العالمي والأنروا والأوتشا. فموضوع إيصال المساعدات الإنسانية إلى المواطنين هو أولوية بالنسبة لدولتنا. واستطعنا إيصال المساعدات إلى كل المناطق باستثناء بعض الأماكن التي لم نتمكن مكن الدخول إليها بسبب اعتراض المجموعات الإرهابية المسلحة للقوافل الإنسانية وأحياناً قيامها بسرقتها أو منعها من الوصول إلى وجهتها الأخيرة. كما تم تخصيص مبالغ بعشرات المليارات من الليرات السورية من قبل الحكومة السورية في العام 2013 لتقديم المساعدات الإنسانية لشعبنا، وخصصنا ضعف هذا المبلغ في العام الجاري 2014.

لكن لا نريد أن يتم التعامل مع هذا الموضوع بانتقائية، فنحن نريد ألاّ يبقى سوري واحد دون أن تصل إليه المساعدات. إن المبدأ الذي قُدِّم المقترح على أساسه سليم لكن يجب أن نتفق.. إذ كيف سنرسل قافلة مساعدات وليس لدينا ضمانات على الأرض بأنه لن تتعرض طواقم الهلال الأحمر العربي السوري ولا طواقم الأمم المتحدة للخطر؟ وكيف سنضمن ألاّ تُلقى هذه المساعدات في أيدي المسلحين؟ نريد أن نعلم ما هي قدرة الطرف الآخر على ضبط المجموعات المسلحة على الأرض ضمن ترتيبات أمنية يجب أن نتفق عليها.

الإبراهيمي:

من المفروض ألا يُمنع الطعام والشراب والدواء عن أي إنسان من المخالفين.

الجعفري:

إن التزاماتنا التعاقدية تجاه الأمم المتحدة تحتم علينا كما أي دولة في العالم أن نطبق هذه الالتزامات، لكن لسنا الفاعل الوحيد على الأرض، لذلك نحن بحاجة إلى نهج واضح والتزام من الأطراف كافة..

لابد أن نشير هنا إلى أن 36 موظفاً من الهلال الأحمر العربي السوري قضوا تحت نيران القناصة والمسلحين. لذلك يجب أخذ عامل سلامة طواقم المنظمات الإنسانية بعين الاعتبار، فالدولة هي المسؤولة عن حمايتهم. نحن نطمح لما هو أكثر من هدنة إنسانية، فقد أتينا بزخم كبير لإيجاد حل جذري وفاعل للمشاكل الإنسانية على أن يكون له مصداقية على الأرض بحيث يستفيد منه كل السوريين دون تمييز بين حمص أو غيرها. فإن كان لدينا 2500 شخص في حمص فلا يجب أن نتناسى أن لدينا 70 ألف سوري في مدينة عدرا العمالية. فإن قارنّا من حيث العدد ستكون الأولوية لهم، ومع ذلك هم كلهم سوريون بالنسبة للدولة. هل يضمن الطرف الآخر داعش والنصرة والجبهة الإسلامية ألاّ تتعرض لقوافل المساعدات الإنسانية وعمال الإغاثة.

هناك نبل والزهراء والفوعة أيضاً وفي كل هذه البلدات يوجد حوالي 100 ألف مدني، والدولة كانت دائماً تحاول إرسال المساعدات إلى هذه المدن، فاستعملت المروحية لإيصالها فأسقطها المسلحون، وعندما قامت بإرسالها براً استولى عليها المسلحون، لذلك من المهم أن نبحث أولاً مكافحة الإرهاب والترتيبات الأمنية لضمان ألاّ يتعرض العمال الإنسانيون لأي أذى. إذ لا يجب أن نضع العربة قبل الحصان.

الإبراهيمي:

لا يمكن للأخوة أن يتكلموا باسم داعش فهم يحاربونها مثلكم.

البحرة:

لذلك أرجو حصر النقاش بمدينة حمص القديمة، حصلنا على التزام واضح من الكتائب المسلحة لتأمين مرور القوافل وسنفعل ما بوسعنا.

الجعفري:

هناك نقطتان مهمتان: أولاً: ما يسمى الهدنة بشكل دوري هو دعوة مفتوحة لاستمرار الأزمة مهما كانت النوايا حسنة، لذلك يجب أن يكون سقف الطموح أعلى من ذلك. ثانياً: عندما نسمع أن ما وصفوه هم بأنهم ثوار وليسوا مخالفين، فهل داعش والنصرة والجبهة الإسلامية.. ثوار؟ هل هناك من يضمن ألاّ يطلق هؤلاء النار على القوافل الإنسانية؟ نريد أن نعرف أن داعش ومثيلاتها أخوة لهم في الثورة أم إرهابيين.

بنينا كل تفاهمنا مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات الأهلية غير الحكومية على قرار الجمعية العام 182/46 الذي ينظم تقديم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم، وهو كان قد اعتُمد عند تأسيس المفوضية العامة لحقوق الإنسان. ان هذا القرار هو الذي أنشئ بموجبه مكتب الأمم المتحدة للمساعدات الأنسانية المعروف اختصارا ب ( أوتشا ) وليس مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الأنسان .

وفي قرار الجمعية العامة المذكور لا يجب أن تصل المساعدات إلى المسلحين ولا أن تصل بضمانات من هذه الكتائب.

إن مسألة تجويع الناس لا علاقة لنا بها لا من قريب ولا من بعيد. في ظل المليارات التي تسمع عنها في هذا المؤتمر وفي مؤتمرات الكويت ما زلنا كحكومة حتى الآن نقدم 75% من الاحتياجات الإنسانية لشعبنا، نحن نقوم في حدود المستحيل وفي ظل الإجراءات القسرية أحادية الجانب، والتي تُسمى خطأً عقوبات، وفي ظل الحصار والإرهاب بمسؤولياتنا تجاه شعبنا في المسائل الإنسانية. موضوع التجويع تسأل عنه الآخرين، كما أن شلل الأطفال جاء مع الإرهابيين القادمين من باكستان بشهادة منظمة الصحة العالمية التي أثبتت أن منشأه من هناك. وقد أرسلنا اللقاحات إلى المناطق التي يتواجد فيها المسلحون وأطلقوا النار على الأطقم الطبية، ومع ذلك عاودنا الكرة وتمكنا من إدخال هذه اللقاحات إلى تلك المناطق.

قمنا بتجربة مثمرة في المعضمية وبرزة واقترحت الدولة خطة متكاملة ونجحت في تطبيقها على أرض الواقع فيهما. الخطة تقضي بالسماح للمدنيين بالخروج من الأحياء المحاصرة إلى أماكن أخرى آمنة وضمان أن من هو بحاجة للمساعدة أن تقدم له، يعني لا نقترح هدنة لساعات وتكرارها كل أسبوع أو شهر إنما نقدم حلاً جذرياً للمشكلة. والمسلحون أمامهم أحد خيارين الأول أن يسلموا سلاحهم وتتم تسوية وضعهم، والثاني أن ينسحبوا إلى مناطق أخرى، وبذلك تصبح الحكومة قادرة على إعادة الخدمات وإيصال المساعدات إلى المدنيين في المنطقة أو أن يخرجوا منها.

البحرة:

من يريد حلاً شاملاً فليدعنا ننتقل إلى مناقشة هيئة الحكم الانتقالية. أما اقتراح أن يسلم المسلحون أسلحتهم ثم يتحرك “الشبيحة” إلى هذه المناطق ليمارسوا القتال العشوائي فهذا لا نقبل به.

الجعفري:

ننظر إلى الصورة بشموليتها، لا أن ننظر إلى جزئيات صغيرة لا تأخذ بالاعتبار. لقد تحركنا إلى ما هو أبعد من الاقتراح بشأن مدينة حمص القديمة، وقدمنا مبادرة بشأن مدينة حلب إلى وزير الخارجية الروسي لافروف، نتكلم فيها عن حلب التي تضم مئات الآلاف من السكان المحتاجين للمساعدة الإنسانية، وتتضمن خروج المسلحين من المناطق المتواجدين فيها والكف عن استخدام البشر كدروع بشرية والبدء بعودة المتضررين، بحيث يستفيد من هذه المبادرة مئات الآلاف.

قُدمت هذه الورقة من الوزير المعلم إلى الوزير لافروف في موسكو قبل عشرة أيام، ووعد لافروف بنقلها إلى الجانب الأمريكي، وفعلاً تم نقلها إلى الجانب الأمريكي ولكن عندما سئل عن نتيجة مساعيه، قال لافروف إنه لم يحصل الأمريكيون على ضمانات من الأطراف التي يتعاملون معها حتى الآن، فلا سلطة لكيري على المسلحين المتواجدين على الأرض وهكذا نكون قد عدنا إلى موضوع البعد الأمني…

هذا لا يعني أن ننتقص ما يقوم به السيد يعقوب الحلو، فنحن – على العكس- نقدر انخراطه المباشر للمساعدة في حلحلة الموضوع الإنساني، لكن المسألة هي سواء تحدثنا عن الحلو أم لا في هذه الجلسة، فهو لا ينتظر منا جواباً لأنه يقوم بواجبه مع محافظ حمص، وسواء طرحنا تصور لما يجب فعله في مدينة حمص القديمة أم لا فهم يقومون بواجبهم دون انتظار الضوء الأخضر من هذه القاعة. لكني أؤكد على النظرة الشمولية للأشياء، والنظرة الشمولية تتطلب محاكاة تجربة ناجحة ولا تعني أبداً البدء من الصفر. سواء في مدينة حمص أو في  غيرها، نحن جاهزون لأن نطبق ما قمنا به في المعضمية وبرزة، بحيث يخرج المسلحون من المنطقة ومن ثم تدخل القوافل الإنسانية للمدنيين، وتدخل قوات حفظ النظام لإعادة الأمن، وترسل الدولة فرق العمل لإعادة الخدمات العامة والقيام بالتنظيف، الشرط الأساسي بالنسبة لنا هو عدم استهداف البنية التحتية في مدينة حمص مثل الخدمات العامة وخطوط النفط والغاز ومصفاة حمص للنفط وغيرها من المرافق العامة، نريد التزاماً جدياً بعدم استهداف هذه البنى التحتية من قبل المسلحين، بالإضافة إلى تعهدٍ واضح بعدم استهداف المدنيين بقذائف الهاون سواء قبل تطبيق الاتفاق أو بعده، وعدم إدخال الأسلحة مجدداً إلى المدينة. كل هذه المسائل يجب أن نضعها نصب أعيننا إذا ما أردنا طرح مشروع متكامل قابل للنجاح، القضية ليست مسألة تجويع ومراهنة ومثل هذا الكلام الذي لا أساس له من الصحة، القضية هي مسألة وجود خطة متكاملة ذات بعد إنساني وأمني وسياسي.

البحرة:

جئنا لإطعام 500 عائلة فقط، أكثر من 1200 طفل جائع.

الجعفري:

طموحنا كحكومة للجمهورية العربية السورية أن يصل الغذاء والدواء واللقاح إلى كل مكان في سورية.

هل يمكن لعاقل أن يصدق بأن 1500 مدني في مدينة حمص القديمة مازالوا محاصرين منذ سنتين ونصف كما يُقال، ومن دون وجود طعام وشراب؟ وكيف يبقوا بعد ذلك على قيد الحياة؟ هل هناك عاقل يصدق؟

ثانيا: هناك الكثير من المساعدات التي دخلت إلى هذه المنطقة بعلم الدولة، وبعضها دخل عن طريق المسلحين، وقد ذهب قسم من هذه المساعدات إلى المسلحين أنفسهم، لكن الدولة ضحّت بذلك بهدف إيصال الطعام والدواء للأطفال والنساء المحتاجين، نعود مرة أخرى إلى التهويل والمبالغة، كيف يمكن أن يكون هناك 500 عائلة و1200 طفل و2500 إنسان. إنها أرقام غير منطقية..

أتكلم عما سمعناه الآن بوجود 500 عائلة و1200 طفل، هذا يعني أنه يوجد 1300 شخص آخر بالغ، كم من المسلحين في الداخل إذاً غير الأطفال والنساء؟

يمكن أن يبقى المسلحون في الداخل ودع المدنيين يخرجون من هذه المنطقة وليبقى المسلحون لوحدهم داخل المدينة.. فنحن ما زلنا في الجلسة الأولى، ونعالج موضوع إنساني وها نحن بدأنا نسمع تهديدات وتشكيك بالانسحاب وما إلى ذلك.

الإبراهيمي:

لقد قلنا اليوم صباحاً بأنه لا يجوز الانسحاب من الجلسة أبداً مهما كانت الظروف.

الجعفري:

لقد سمعنا قبل قليل بياناً في تهديد صريح، وأنا هنا أقتبس “لقد جئنا إلى هنا وقبلنا بالجلوس وتجاوزنا التفاصيل وكان من الممكن لكل تفصيل أن ينسف المؤتمر من أساسه، يجب أن تقولوا لنا إما نعم أو لا” وكأننا قطعنا كل هذه المسافة لنتحدث بخطة هدنة لمدة عشر ساعات في مدينة حمص القديمة، نحن لم نأت لذلك فقط، ولكن جئنا وفق خطة شاملة تتعلق بوقف الإرهاب ومعالجة الأزمة مع شريك ذي مصداقية ومنطقي وعقلاني. أما أن يهدد بالكلام وبنسف المؤتمر، فهذا كلام غير مقبول.

البحرة:

بالنسبة لموضوع الأسرى والمخطوفين والمحتجزين، نجد أنه من الأفضل ترك الملف إلى مرحلة لاحقة، والتركيز على موضوع حمص القديمة.

الجعفري:

نحن منفتحون على مناقشة المواضيع كافة وفقاً للاتفاق المبرم معنا، وليس هناك أي محرمات.

من حيث المبدأ لن نرتاح قبل أن يأكل أصغر طفل في حمص القديمة ويحصل على اللقاح حفاظاً على حياته.

أما بالنسبة للاتفاق الذي تحدثنا عنه، واجب الدولة ضمن خطة الاستجابة التي وقعتها الدولة مع الأوتشا، إننا نقوم بشكل اعتيادي بهذا الواجب. إن الكلام عن حصول اتفاق بين الأمم المتحدة والسلطات هو كلام في إطار آخر لا علاقة له بالحوار السوري السوري بقيادة سورية. نحن هنا نتحدث عن موضوعين مختلفين، موضوع مدينة حمص القديمة سنسمع عنه إن شاء الله أخباراً جيدة، وليخرج المدنيون ويبقى المسلحون. أما إذا أردنا حل عقلاني، لندع المسلحين ينسحبون ونقوم بواجبنا كدولة مثل أي دولة مسؤولة في العالم.

الإبراهيمي:

لا شك بأن الناس في مدينة حمص القديمة قد عانوا كثيراً.. إن ترتيب وصول المساعدات الإنسانية لهم ينظم بالاتفاق بين الأطراف المعنية، والناس في الداخل والمحافظ والصليب الأحمر الدولي، وإذا ما تم الاتفاق فهذا يسعدنا ولا يضر أحداً من الجالسين على الطاولات.

لنأت لموضوع الأسرى والمساجين، إنه موضوع يهمنا جميعاً، فقد دعينا مراراً إلى إطلاق سراح المطارنة والراهبات المختطفات، هناك حديث كثير عن أطفال محتجزين لدى جهات مختلفة؟ أظنكم سمعتم قصة رزان زيتونة التي خُطفت مع زملاء لها، الآن لا أحد يتكلم عنها. هناك أناس كثيرون في السجون.

البحرة:

لا شك أنه ملف مهم ويجب البحث فيه ولكن بعد إنهاء قضية مدينة حمص القديمة.

الجعفري:

نحن جاهزون للبحث في أي موضوع، إنما كما تحدثت سابقاً وفق خطة عقلانية قابلة للتطبيق بعيداً عن المثاليات.

مهمتنا هي إيجاد حل لتخليص شعبنا من الأزمة التي لها أبعاد داخلية وعربية وإقليمية ودولية، لذلك اجتمعنا في مونترو وكان المجتمع الدولي حاضراً وكان ذلك دليلاً على أنه للأزمة جوانب غير داخلية. في نهاية الأمر الموجودون في مدينة حمص القديمة هم سوريون، ويجب أن يكون المدنيون أحراراً أما الإرهابيون، مفجرو السيارات المفخخة وقاتلو الناس لا يجب مساعدتهم.

عن صناعة كوكاكولا الثورات.. آخر سلاح في ترسانة نهاية التاريخ

429952_324090830971997_12655456_n

نارام سرجون

لن أكتب لأنني أطمع أو أطمح باقناع ثائر واحد في العالم بوجهة نظري ولا لاقناع خائن واحد بأنه منبوذ.. فأنا لاأكتب من أجل الخونة ولا من أجل المجانين الذين يسميهم العالم ثوارا.. لأن عقول الثوار والخونة مالحة كالبحر الميت.. وشرفهم حامض كحمض الكبريت.. وضمائرهم مظلمة كالقبور.. وأفكارهم زنخة ولها رائحة كرائحة أفواه الضباع.. وكل كلمة ألقيها في عقل منبوذ تشبه كوبا من الماء العذب في البحر الميت أو في المحيط الهادي.. أو تشبه قارورة عطر دمشقي تسكب في حظيرة لنعاج عربية.. أو وردة شامية تزرع عبثا في الاسمنت أو كثبان الرمل.. فماذا يصنع كوب ماء عذب في أعماق البحرالميت وقاع المحيط؟ وكيف تزرع الورود في كثبان الرمل؟

وأنا لن أهين الضوء كي آخذه في سفر الى عيون عمياء لاتراه.. ولو كان كلامي شهابا يشعل فتيل الشمس كشمعة كونية فلن أشعل الشمس لمن كان قلبه كالثقب الأسود.. لأنني لو كتبت بأقلام الشمس المغمسة بمحابر النور فلن أضيئ الشموع في عقول ثائرة خائنة.. ولاالقناديل.. لأن لازيت في قناديل هؤلاء.. ولاشموع في نفوسهم.. ولأن أرواحهم قلاع للظلام الدامس وثقوب سوداء وليل داج لامتناه.

أنا لاأكتب ياصديقي من أجل ثوري واحد أو خائن واحد.. ولكن ياصديقي أنا أكتب كي أنقذ التاريخ من الغرق في البحار المالحة وطوفان الكذب.. وأنا اذ أكتب انما أريد أن أبني الفلك لنوح.. نوحنا هو التاريخ الذي لن يغرقه طوفان الأكاذيب بعد اليوم.

ونحن جميعا نكتب ياصديقي كي لاينتهي التاريخ على طريقة فوكوياما.. ونحن نكتب كي لا تتعفن مياه اللغة الراكدة التي يسبح فيها الدود الثوري وكتّاب الديدان الثورية.. فالحروف النقية هي قوارير العطر الدمشقية وماء الورد التي نسكبها في مياه الزمن والتاريخ والأحداث كي تتطهر وتتنقى فتصبح أنفاس التاريخ معطرة.. الأحرار يكتبون لأنهم لايريدون لعقول الناس أن يخزن فيها الملح.. ولا أن يملأ حمض الكبريت قلوبهم وعيونهم .. فتعالوا بنا الى رحلة من رحلاتنا التي سافرنا فيها معا عبر هذه المرحلة ولنحط اليوم في اوكرانيا.. فهناك ذيل الثورات العربية وأظافر فوكوياما.

فقد جاء الربيع الأوكراني مفاجئا في توقيته لكثيرين.. ولكنه ترافق مع ربيع فنزويللا أيضا.. وهذا يكمل مجموعة الأدلة على أن كل ماقيل عن الثورات الشعبية الحالية هو مجرد أوهام وأن مااكتشفناه معا من أن الثورات العربية “فارس من غير رأس” هو الصواب بعينه.. لأن رأس هذه الثورات تبين أنه مجموعة من الصهاينة الذين يمثلهم برنار هنري ليفي الذي أطل على الثوار الأوكرانيين وكأنه أوكراني ابن أوكراني واوكرانية كما كان تونسيا ابن تونسي وتونسية.. و ليبيا ابن ليبي وليبية.. وسوريا ابن سوري وسورية .. ووو..

اننا الآن في عصر الثورة الصناعية الذهبي بالوصول الى عصر تصنيع الثورة والصناعة الثورية .. لأن الثورة الصناعية التي بدأت بالمنتجات الاستهلاكية ومحركات البخار والفحم والسكك الحديدية وصلت الى ذروتها في صناعة الثورات بعد ان استولت الولايات المتحدة الأمريكية على كل شيء في الطبيعة وأدخلته الدورة الصناعية لها ولقانون العرض والطلب.. وتمكنت من الامساك بأسرار صناعة التاريخ.. وصارت أميريكا تصنع الكوكا كولا والسيارات والطائرات والثورات والثوار والقادة والمثقفين الثوريين وتصنع حتى ديانات جديدة.. وكما أن هناك مصانع للكوكاكولا فان هناك مصانع للثورات والثوار حسب الطلب.. ومايجمع الكوكا كولا والثورات الصناعية هي أنها منتجات أميريكية يشربها العالم الثالث بتلذذ.. ومن نفس الفوهة تدخل أميريكا الى كل بيت شرقي.. من فوهة الكوكاكولا وفوهات زجاجات الثورات..

ولكن انجاز الثورات المصنعة سيكون أعظم ماأنجزته الرأسمالية المتوحشة وتمثل بالقدرة على التحكم بالانفعال الثوري الجماهيري وتوجيهه ليتحول الى مجرد زجاجة كوكاكولا يمكن تعبئتها وتفريغها كل يوم.. واسمها ثورة للحرية.. تتجشأ بعدها الشعوب نداء (الشعب يريد..) ويليها جشاءة صندوق الانتخاب.. وائتلافات ومجالس الحكم.. وتنسيقيات.. وفتاوى.. وجهاد.. وفي النهاية يمكن تلخيص الثورات بعبارة بليغة جدا وهي “الشعب يريد.. زجاجة كوكاكولا..أمريكية.

وهذا الاكتشاف لطريقة صناعة الثورات هو اختراع مثله مثل كل الصناعات البديعة.. فالطبيعة مليئة بالمواد الطبيعية والخامات ولكن عملية تحويلها الى منتجات صناعية مبهرة هي فن وفيها مهارة وأسرار.. والمجتمعات مليئة بالكثير من الفقراء والجهلة والغوغاء والمغامرين والحالمين والفاسدين.. ولكن عملية تحويل هذه الطبقات والأنواع الى صواريخ موجهة هي عملية في منتهى العبقرية وهي آخر سلاح في ترسانة نهاية التاريخ .. لأن التاريخ لاينتهي الا اذا تم التحكم بصناعة التاريخ عبر التحكم بالجماهير صانعة التاريخ .. اي صناعة المتغيرات الطبيعية والزلازل والبراكين الاجتماعية ..

تغير العالم كثيرا .. وكاد التاريخ يختطف .. ففيما مضى كان الروس يتولون قيادة ثورات العالم مخلصين بالتيارات الشيوعية والثوار الشيوعيين من قياس غيفارا وكاسترو وناظم حكمت .. فيما كان الأمريكيون محاصرين بالمد الثوري في كل العالم وكانوا يردون على الثورات الشعبية بالانقلابات العسكرية ويتمترسون بالعسكر والجنرالات والبرجوازية والحكومات الديكتاتورية .. ولكن بعد انقشاع الغيوم الثورية الشيوعية وموت الأم السوفييتية .. تحررت الولايات المتحدة من الحصار الشعبي الذي فرضه مزاج العالم الشيوعي عليها وصوت غيفارا وكتب فلاديمير ايليتش لينين وتروتسكي وماركس وانكلز .. وانتقلت الى مرحلة التخلص من العسكر كنموذج للحكم ليحل محله حكم الشعوب بالثورات الشعبية على غرار التمدد الشيوعي بالثورات الماركسية .. وعمدت الولايات المتحدة الى تقليد الثورات ومعرفة تركيبة الانفعال الجماهيري ومفاتيحه .. وربما كانت أولى تجاربها هي ثورة الرعاع على حكومة مصدق الوطنية في ايران عبر عملية أجاكس الشهيرة في الخمسينات .. التي كانت مجرد تمرينات بدائية لمناورة كبرى بتكنولوجيا علم نفس المحتمع وعلم نفس الثقافات سميت اليوم كما يبدو الربيع العربي .. ومالحقه من فصول دموية .. وظهور ثوار البغدادي والجولاني .. ولينين الثوار يوسف القرضاوي .. وللمفارقة فان من تولى حماية المجتمعات من هذه الثورات هي الجيوش الوطنية والجنرالات الوطنيون مثل الجيش السوري وجنرالاته .. الذين تحالفوا مع فلاديمير بوتين بدلا من فلاديمير ايليتش لينين .. وهناك فرق بين الفلاديميرين .. لينين وبوتين ..

أكثر المفارقات المثيرة للدهشة هي أن الشعوب نفسها الآن هي وسيلة الولايات المتحدة لحكم هذه الشعوب .. فقد تمكنت الولايات المتحدة من خلق “شيوعيتها الامبريالية” التي تنتشر بين هذه الشعوب التي تندفع كالعمياء نحو تنفيذ عمليات تسليم البلاد بالمفتاح للمستشارين الغربيين والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي وثوار يحملون جوازات سفر غربية وينتمون الى مجتمعات وثقافات غربية .. نسخة عن التيارات الشيوعية سابقا التي كانت تعتبر نفسها امتدادا لموسكو وجزءا من حراس الكرملين ..الذين كانوا “يحملون المظلات حتى في الطقس المشمس بمجرد أن أمطرت السماء في موسكو”..

ماهذا السر الذي لايجعل الثورات الحديثة تقوم الا في العوالم التي تكرهها أميريكا أو التي ترى أميريكا انه آن أوان تغييرها ..ولاتقوم حيث يجب أن تقوم في دول الخليج المحتلة .. وكلها ثورات تكرر نفس الخطوات والسيناريو وتمارس نفس الوسائل وكأنها خرجت من مدرسة واحدة .. فهي مجموعة من المتظاهرين الذين يمكن جمعهم بسبب حدث في ساحات أي بلد .. تصورهم مئات الكاميرات وتركز جدا على سلميتهم وتبكي العالم على معاناتهم من قسوة حكامهم .. وبعد أيام من التعنت والاصرار على ارغام كل البلاد على القبول بما يريد المتظاهرون السلميون الأبرياء ينفلتون وقد يحملون السلاح ويطيحون بالدولة بالبلطجة ويقيمون دولة لاهم لها الا اقامة علاقات متميزة مع الغرب والولايات المتحدة ..

ماهذه الصدف العجيبة في التشابه؟؟ من الثورة البرتقالية الأولى في أوكرانيا الى الثورة الخضراء في ايران الى ثورة “الاستئلال” في لبنان الى ربيع العرب الأغر ثم وصولا الى ثورة أوكرانيا الثانية وثورة فنزويللا .. كلها ثورات شعبية وسلمية ومليئة باللافتات والشعارات الجاهزة وكلها من مدرسة (الشعب يريد .. ماتريده اميريكا) وتشترك جميعها في أنها دوما لها متعاطفون معها في الاتحاد الاوروبي والكونغرس .. وكلها يحييها وينزل الى ساحاتها برنار هنري ليفي كلما تمكن ..

هذه الثورات هي صواريخ أميريكا الحديثة التي تقصف بها حيث تريد .. ولكل أمة يتم تصنيع قذائف المعارضة في معامل كوكاكولا الثورات .. وصارت قذائفها التي كانت محشوة بالنابالم والسلاح الفراغي والانشطاري والفتاك محشوة بالجماهير والغوغاء والثوار .. وآخر حشواتهم المتفجرة هي الحشوة الاسلامية بمفعولها الفراغي والانشطاري المزدوج ..فهي تفرغ المجتمعات من منظومة الدولة ومفهوم الوطنية .. وتنتهي بانشطارها ..

مايحدث في أوكرانيا هو نهاية عصر الثورات الصناعية الذي تحطمت زجاجات كوكاكولاه في دمشق .. فاللعبة انتهت ودخولها الى المجال الروسي أثبت ماتنبأنا به جميعا أنها جزء من حرب على محور كبير .. ولكن الاندفاعة نحو أوكرانيا تدل على أن اللعبة الثورية في سورية متعبة جدا .. ومرهقة جدا .. فصارت الثورات تريد مساعدة الثورات .. فالثورة السورية تضمحل وتموت نيرانها فيقوم الأميريكي باشعال ثورة على ضفافها عل الروسي ينكفئ ويتركها منفلتة كاثور الهائج .. ويترك السوريين ليتجرعوا الكوكاكولا الثورية السورية .. وتندفع أميريكا الى كل بيت شرقي من فوهات ثورات الكوكاكولا ..

بعض الثوار يعتقدون أن الأمريكيين سيسقطون الأسد من أوكرانيا لأن الروس قد دفعوا ثمن موقفهم في سورية على الطاولة الاوكرانية .. وبعض الحالمين نظر الى انها تباشير الضغط على روسيا وبداية انحسار الموجة الروسية .. وهذا هو بالضبط تعريف القواميس لاحلام اليقظة .. والمنطق يقول أن ماحدث في اوكرانيا قد جعل روسيا أكثر تمسكا بموقفها السوري .. وأن النار الأوكرانية ستحرق الثورة السورية لأسباب عديدة .. فبفرض أن روسيا قد خسرت اوكرانيا الآن فانها لن تستعيدها بتسليم الورقة السورية لأن اوكرانيا يمكن ان تنزلق من يدها بسهولة مئة مرة أخرى (كما يبدو واضحا) فيما أن رهانها على سورية التي قهرت العالم اقوى وأمتن كما بدا للجميع .. واذا خسرت روسيا اوكرانيا فلن تتبرع بخسارة اضافية في دمشق .. وهذا ماسيجعلها متمسكة بدمشق بشكل مضاعف .. ناهيك عن ان استعادة أوكرانيا سهلة جدا بسبب الحضور الروسي في المزاج الشعبي الاوكراني وقد استردت روسيا اوكرانيا قبل ذلك دون عناء كما نذكر .. أما استعادة سورية فسيكون مستحيلا لأن الامريكي سيمزقها اربا الى دويلات دينية وستكون اسرائيل هي الحاكم المطلق .. ولن تقوم لها قائمة بمفهومها الجغرافي المعروف ولايبقى فيها مكان يمكن ان يتم صراع عليه ..

ويتفق الجميع على ان التدخل الروسي المباشر لايبدو خيارا مفضلا للروس لأنهم يدركون أن الأمريكيين سيحولون أوكرانيا الى افغانستان روسية وسيدفعون بالمعارضة الى تبني خيار المعارضة السورية بالعنف وهذا سيشغل روسيا كثيرا ويستدرج بوتين الى الفخ المنصوب له عبر تحديه بتحذيره من مغبة التورط العسكري .. ولكن لايشك أحد على الاطلاق أن بوتين شخص عنيد جدا ومعتد جدا بنفسه وبمؤمن الى حد كبير بمكانة وعظمة روسيا وبدوره شخصيا في روسيا الجديدة وان عليه مسؤولية تاريخية ووطنية في ان لاتعود روسيا عن المكانة التي حققتها بعد الأزمة السورية .. ومن المؤكد أن تراجعه في الأزمة السورية سيطيح بكل مابناه وسار فيه وهو نكوص خطر .. ولذلك يفتش كل من يراقب حركات وسكنات بوتين عن الطريقة التي سيرد فيها وكيف سينتزع أوكرانيا من فم الذئب ..

وقد تابعت الكثير من الآراء ولفتني بعض الآراء التي نبهت الى ان بوتين غالبا قد لايرد في أوكرانيا الا بشكل محدود في المدى المنظور وربما يقوم بمناورة عسكرية لاتنوي التورط الواسع .. بل سيكون له خيارات ضاغطة في احد ثلاثة اتجاهات:

1- في الملف السوري: ربما سيقوم الروس بدفع الخيار العسكري الى أقصى مدى بحيث يقدم غطاء عسكريا وسياسيا لم يقدمه حتى الآن لضرب المعارضة السورية عسكريا ضربة قاصمة ليجرد الأمريكيين من ورقة مساومة هي الورقة السورية .. وعندها يبدأ التحرك السوري لتسديد حساب قديم وثأر مع حلفاء اميريكا .. وربما هذا مادعا الامريكيين الى الاستعداد لذلك عبر زيادة الضجيج عن معركة الجنوب ومعركة الشمال ودخول العنصر الباكستاني ..وخروج التدخل الاسرائيلي الى العلن ..وأنا لاأميل الى السير في هذا الاتجاه .. لكن لاشك ان من سيدفع ثمنا ما بسبب الثورة الأوكرانية هي الثورة السورية وليس الدولة الوطنية السورية ..

2- قد يرى بوتين ان كبح جماح الغرب والامريكيين قد يكون بتخفيف قيوده بشأن الحرب مع اسرائيل ..لأن الروس كانوا حتى وقت قريب جدا يفضلون تجنب دعم حرب ومواجهة مباشرة بين السوريين وحزب الله وايران مع الاسرائيليين لاعتبارات كثيرة .. ولكن طالما أن بعض الاصابع الاسرائيلية والصهيونية دخلت الثورة الاوكرانية علنا (بدليل خطاب هنري ليفي) وعناصر تدريب من الجيش الاسرائيلي .. فان بعض الحواجز المانعة قد اهتزت .. ويتساءل البعض ان كان تعهد حزب الله بالرد على الغارة خلفية مستندة الى ايماءة روسية بالموافقة .. ولكن حتى هذه اللحظة لاتوجد معطيات تميل لهذا الاعتقاد ..ولكن بالمقابل لاتستهينوا بهذه الفاصلة الصامتة الغامضة .. فان هذه اللحظة تنتظر منذ زمن خلف الباب أي تغير سريع في مزاج الحلفاء وتعهداتهم ..

3- يطرح بعض المفكرين الروس أن بوتين والقيادة الروسية قد يفكران لأول مرة بالرد على الولايات المتحدة والغرب بالعمل على تفعيل مشروع جاهز لتفجير استقرار احد حلفاء الغرب طالما أن المواجهة لاتزال غير مباشرة .. وأفضل الأهداف سيكون تركيا أو دول الخليج العربي .. وبالذات مناطق النفط في السعودية .. فطالما ان اسلحة الحرب الباردة هي التراشق بايذاء المصالح بدل المواجهة المباشرة قلن تكون هناك نقطة موجعة اقتصاديا للغرب في هذه الأيام مثل هز الخليج العربي واسواق النفط والسعودية .. جوهرة التاج الأميريكي فهي خزان النفط والمجاهدين والاسلام الامريكي .. خاصة اذا ماثبت مايشاع عن ان السعودية ودول الخليج هي التي ستمول قروض أوكرانيا الانقلابية بعد أن توقفت روسيا عن اكمال عرضها بخمسة عشر مليار دولار .. لأن الاقتصاد الاوروبي العاجز والاميريكي المتعب لن يقدر على الوفاء بالتزامات وتعهدات الساسة الاوروبيين .. وهنا ستتحرك السعودية بحماس منقطع النظير لمكافأة الانقلابيين الاوكرانيين نكاية بموقف بوتين من الازمة السورية .. فاذا ماثبت ذلك فان السعودية ستكون قد اقدمت على الخطأ الذي ينتظره خصومها ..

ولكم أن تتخيلوا حجم الضغط والانحباس في مشاعر سكان المناطق الشرقية من السعودية ..التي قد لاتحتاج الا الى عود ثقاب ..

أما في تركيا أيضا فلن تتخيلوا كم صار الوضع الاجتماعي قي تركيا هشا .. وكم صار اردوغان ضعيفا مهيض الجناح والبعض صار يعد ايامه الباقية .. كما أن كمّ التفاوت والاثنيات والقوميات والتنوعات في تركيا صار بلا نهاية وقد زادته الازمة السورية الى حد خطير ..

ان مقولة فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ هي نظرية كانت مستمدة على مايبدو من القناعة الراسخة بسيطرة الغرب على عملية انتاج التاريخ والتحكم بأدوات صناعة التاريخ .. أي الجماهير والثورات الشعبية .. ولكن يبدو أن الروس مهتمون أيضا بصناعة التاريخ .. وكما عرفوا اسرار القنبلة الذرية وزرعوا العالم بالصواريخ العابرة للقارات التي تحمل القنابل النووية فانهم سيتمكنون من فن صناعة الثورات ..

كان فرانسيس فوكوياما يرى كيف أن ثورة البيريسترويكا السوفييتية هي ذروة نتاج الليبرالية الاميريكية لأدوات انتاج التاريخ وصناعته حسب الطلب .. ولذلك اعتقد فوكوياما أن التاريخ انتهى بالقبض على آليات ومفاصل وأسرار تحركه .. فالتاريخ الطبيعي انتهى وبدأ التاريخ الصناعي .. ولكن فوكوياما كان متعجلا لأن عملية السيطرة على صناعة التاريخ قد تحطمت .. وكان آخر منتجات هذه الصناعة الربيع العربي .. وكانت غلطة العمر أن البعض أراد صناعة التاريخ ونهايته في سورية .. ولكن في سورية بدأ التاريخ ولايمكن ان ينتهي فيها .. وغلطة صناع التاريخ الأمريكيين انهم قرروا تجربة اختراعهم وانهاء التاريخ الطبيعي للبشر وتدشين ذروة التاريخ الصناعي في سورية .. ولكن كيف يموت التاريخ في بلد أطلق التاريخ .. ؟؟ انها لاشك كانت نهاية فوكوياما .. وعودة التاريخ الطبيعي الى الحياة بعد أن حاول الغرب قتله .. انها مرحلة موت التاريخ الصناعي .. وثورات الكوكاكولا..

 التاريخ الطبيعي ينتظر ربما على تخوم المدن الغربية والغيتوات من الفقراء والملونين والمهمشين الذين يعانون من العنصرية واللامساواة بين الاوروبي والمهاجرين والملونين الذين انتفضوا في باريس ولندن ولم يتعاطف معهم برنار هنري ليفي ولا بان كيمون وبالطبع لم يرهم سعود الفيصل .. والتاريخ الطبيعي ينتظر داخل نقمة الهيسبانيك الامريكيين وعلى حدود الكراهية بين الأثرياء والفقراء الذين لايشملهم الضمان الصحي والذين لايجدون عملا  .. وثوار وول ستريت .. هؤلاء لاترصدهم الكاميرات التي تنقل لنا نداء (الشعب يريد ) .. وهؤلاء لاينتظرون قناة الجزيرة وأميرها وتمويل السعودية .. ولا ينتظرون مؤتمرات أصدقاء سورية .. ولايتوقعون أن يخاطبهم برنار هنري ليفي في الساحات وينضم لاجتماعات مجالسهم الثورية .. ولا أن ينادي مشايخ السلفية بالثورة معهم ..والتكبير لهم .. والقيام بمؤتمرات وفتوحات اسلامية .. وهؤلاء لا تنزل الملائكة وخيولها البيضاء الى شوارعهم .. وهم لايريدون هذه الملائكة ..

1 آذار 2014

خيبة أمل

photo of DR.IMAD Fawzi Shueibi

د. عماد فوزي شعيبي

عندما أراجع المستوى الذي رأينا فيه بعضاً من طُلابنا الجامعيين وحتى في الدراسات العُليا الذين درّسناهم من اندراجهم بسرعة في الغرائز وعدم تمايزهم عن غيرهم ممن ليسوا بنفس السوية العلمية؛ بحيث كانوا غرائزيين بلا أي عقل وازن. أصل إلى قناعة أن المشكلة تكمن في أن المنظومة التعليمية لم تكن (منظومة قضايا) وهي قد علّمت ولم تثقِّف. وهكذا لم تعد الجامعات منارة (لمشروع) كما كانت في عقود سالفة. ولعل القراءة الموضوعية تجعلنا نقول إن الزمن ايضاً لم يكن زمن مشاريع ولا زمن أمثولات وأحلام كبرى. وكل هذا أثرّ على هذا الجيل. حسبنا اننا حاولنا أن نثقِّف ولا نكتفي بالتعليم. المقصود أن التعليم تحول إلى (وظيفة) وليس مشروعاً للتعليم والتثقيف معاً.  حزني كبير على جيل بأكمله وعلى طلاب أحببتهم وكنت أرى فيهم مستقبلاً واعداً ولا أحملهم مسؤوليةً فهم بالنتيجة ضحايا.

1 آذار 2014

بيان المعارضة

92943CAF-DF96-4A77-A111-E1261BD6ACA1_mw1024_n_s

 

تييري ميسان

البيان المقدم من “المعارضة” لمؤتمر جنيف2 يصف بداية, ماينبغي أن تكون عليه هيئة الحكم الانتقالي: من المفترض أن تكون حيادية, شاملة, مسالمة, وضامنة لوحدة أراضي البلاد. كما من شأنها أن تعمل على خلق بيئة مواتية للشعب السوري كي يضع, بنفسه, دستوره, ويعين مؤسساته.

بيد أن المشكلة الأولى في هذا “البيان” هو أنه يتعارض مع ممارسات الجماعات المسلحة. ففي حين يعبر الائتلاف الوطني عن نفسه بلغة ديمقراطية, نجد أن الجماعات التي تقاتل على الأرض لم تتوانى عن ذبح الأقليات والسعي إلى فرض أسس نظام سلفي على المجتمع السوري. لاشك أن غالبية هذه المجموعات المسلحة لاتعترف بسلطة الائتلاف عليها, لكن الأخير لايملك شرعية غير أفعال المسلحين على الأرض.

المشكلة الثانية في هذا “البيان” تكمن في الطريقة التي تم بموجبها تحديد هيئة الحكم. إذ أن واشنطن ترغب بفرضه, تماما كما فعلت في عدة بلدان أخرى. في هذه الحال, فهي تتصور مؤتمر جنيف2, كحال مؤتمر بون حول أفغانستان : قد تتفاوض القوى العظمى فيما بينها إذن, وتنتج كرزاي سوري. على النقيض من ذلك كله, لاتتوقف دمشق عن التذكير بالبيان الختامي لجنيف الذي ينص على ” أحقية الشعب السوري بتقرير مستقبل بلده”. في المحصلة، لاينبغي استفتاء الشعب على الدستور الجديد فحسب، بل من غير الممكن تطبيق نتائج جنيف2 دون أن يصادق عليها الرئيس الأسد، الذي تعهد بعرضها على الاستفتاء.

أما المشكلة الثالثة في هذا “البيان” فهو أنه يشرع “لثورة ملونة” في المستقبل. جميعنا يعرف أن الحرب في كوسوفو انتهت بوقف لاطلاق النار, متبوعا بانتخابات في صربيا. ومن خلال حملة نفسية حاذقة, تمكنت “سي.آي.ايه” من ايصال مرشح موال للولايات المتحدة غلى سدة الرئاسة. ثم قامت باعتقال سلوبودان ميلوزوفيتش وحكمت عليه في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. ونظرا لأن المحكمة لم تتمكن طيلة عامين من العثور على أي دليل يثبت التهم الموجهة من قبل الادعاء, فقد تم اغتيال ميلوزوفيتش في زنزانته.

ينطوي “اعلان” المعارضة على تناقض مذهل : فهو يؤكد على وجوب انتشار الأمم المتحدة، منذ بدء المرحلة الانتقالية، في عموم البلاد، وعلى بقائها خارج العملية الانتقالية في وقت واحد. بدلا عن ذلك، فهو –أي البيان- يؤكد على أن الاشراف على العملية الانتقالية يقع على عاتق “المنظمات المستقلة للمجتمع المدني الدولي”.

يطلق على هذه المنظمات, في وسط وشرق أوروبا, اسم فريدوم هاوس (بيت الحرية) , أو أوبن سوشيتي فاونديشن (مؤسسات المجتمع المفتوح), أو نيد (الوقف الوطني للديمقراطية). ترتبط المنظمتان الأوليتان بالولايات المتحدة واسرائيل مباشرة. في حين أن الثالثة ليست قطعا جمعية مجتمع مدني, إنما هي هيئة تشترك فيها الحكومات الأمريكية والبريطانية والأسترالية, تم انشاؤها بمبادرة من رونالد ريغان بهدف توسيع نشاط (سي.آي.ايه ) إثر الفضائح التي اندلعت في سبعينيات القرن الماضي. ليس “لمنظمات المجتمع المدني” هذه من وظيفة سوى انفاق مليارات الدولارات في أي مكان يسمح بشراء النخب الفاسدة, وكذلك الدول.

فضلا عن ذلك, نص “البيان” على أن هيئة الحكم الانتقالي ستضع آليات من شانها تحميل المسؤولية “لكل شخص ارتكب انتهاكات لحقوق الانسان وللقوانين والعدالة الدوليتين”. الأمر الذي يفضي إلى اعتقال ومحاكمة الرئيس الأسد في لاهاي أثناء المرحلة الانتقالية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. هذا الاجراء سيفضي حتما إلى ما انتهى إليه الرئيس الصربي ميلوزوفيتش. لايزال هناك الكثير، الكثير مما ينبغي مناقشته في جنيف

21 شباط 2014