صدمة متجددة

320434

حسن م يوسف

هل نحن محكومون بالحزن لا بالأمل كما قال الصديق الرائع سعد اللـه ونوس؟ أرجو ألا يكون الأمر كذلك.

في زاوية الأسبوع الماضي لم أستطع الانفلات من حزني الشخصي على رحيل أخي وفيق، واليوم أعيش صدمة أخرى شديدة المرارة أود حقاً لو أستطيع أن أتجاوزها والكتابة عن أي موضوع آخر سواها، إلا أنها تضغط على روحي وتستحوذ على كل اهتمامي.

قبل أيام اكتشفت أن شيوعياً كان من معارفي الأعزاء قد غير اسمه من عمران إلى عمر وأطلق لحيته وارتدى جلباباً ووضع على رأسه قلنسوة، وأسس حزباً سماه «حزب العدالة والتنمية السوري» الذي من أهم أهدافه «إقامة الوحدة الكاملة بين الشعبين التركي والسوري»، لاحظوا ذكر التركي أولاً، وهو لا يكتفي بما سبق، بل يعتبر في صفحته على الفيس بوك كل «من ينتقد تركيا عدواً لله ورسوله»، ويعتبر استعمار الأتراك لبلادنا نعمة إلهية «فالله بحكمته وعظمته وجلال قدرته أرسل للإسلام من يحميه ويدافع عنه من قبائل الترك المجيدة منذ 1200 عام عندما دخل المأمون بهم بغداد ومنذ ذلك الحين وهم يحكمون دولة المسلمين»… إلخ.

الصدمة الثانية هي أن صديقاً عزيزاً يمارس الفن والقصة والشعر، قد ترك البلد وهاجر إلى ألمانيا، وهذا أمر يخصه، الصادم هو أنه قد ذهب إلى هناك بفيزا «لجوء إنساني» بعد أن باع جل ممتلكاته هنا، وهذا أمر قد يخصه أيضاً إلى حد ما. لكن ما زلزل كياني هو أن ذلك «المبدع المثقف» قد كتب على صفحته في الفيس بوك بعد وصوله إلى ألمانيا العبارة التالية: بعد عشرة آلاف عام من التجول، أصل إلى البيت»، كما لو أن سورية لم تكن له وطناً بل مجرد نقطة عبور وتاريخنا، ليس في نظره، سوى مجرد تجوال! صحيح أنني لم أقرأ تلك الكلمات بنفسي لكن صديقاً مشتركاً قد أبلغني بها، ويبدو أن ردود أفعال أصدقاء «اللاجئ» كانت قاسيةً عليه لدرجة أنه أغلق صفحته.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يدميني فيها سلوك المثقفين، فقبل سنوات كتبت مقالاً على لسان إنسان عادي يسأل فيه المثقفين: «إلى أين تريدون الوصول بنا أيها المثقفون الجادون؟ تعلمون أنكم جميعاً في قلبي، أنا المواطن العادي المغلوب على أمري، الذي يزحف نهاراً وينطرح ليلاً! لقد أحببتكم جميعاً كل واحد منكم لسبب يختلف عن الآخر! أحببتكم وأسكنتكم في قلبي وهاأنتم تحفرون الخنادق بين البطين الأيمن والبطين الأيسر! ثم تطلقون الكلام على بعضكم أعمى كما الرصاص! يعبرني رصاصكم من جهتين! يخترق أحلامي وإيماني بكم وبالحياة برمتها!».

لماذا تفرغون فضلاتكم في روحي وأنتم تعلمون أن هذا يسمم إيماني بكم!

أيها المثقفون المحترمون! ليس جديداً أن تعكر الخنازير مياه النبع، الغريب أن تعكرها الفراشات! وأنتم من سلالة الرقة والإحساس، فماذا جرى حتى نكصتم وانقلبتم على أنفسكم؟ ليس أكل لحوم البشر اختراعاً جديداً، لكن تغميس لحوم البشر بالثقافة هو الجديد!

نعم، أجدادنا كانوا يقولون: الضرورات تبيح المحظورات! وأكل لحوم البشر هو ضرورة سوداء قد تبيحها ضرورات البقاء ويسوّغها منطق البهيمة! أما الثقافة فهي مجد الضوء في الإنسان، هي إلغاء البهيمة! هي تمجيد الجمال! ولا جمال بلا نزاهة، ولا نزاهة بلا عدالة، ولا عدالة بلا ضمير!

أمام صدمتي المتجددة بالمثقفين لا أملك إلا العبارة التي أنهيت بها مقالي القديم: «أيها المثقفون أسألكم بالله لماذا تنكصون»؟

19 تشرين أول 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s