أحلام مستغانمي تبكي حمص

 احلام مستغانمي

احلام مستغانمي

من عجائب هذا الزمن الذي فقد صوابه و بوصلته.. أنّني مذ نشرت تعليقي عن مجزرة حمص التي جُلّ ضحاياها من الأطفال، اكتشفت من التعليقات التي خصّتني بالشتم والتجريح، واتهمتني بالعمالة أن الضحايا من طائفة بالذات دون أخرى.

لا عقلي ولا قلبي قبلا بتصديق ما قرأت. أبلغنا هذا الحد من الطائفية؟!

وهل أصبح متوجّباً عليّ أنا الجزائرية، ابنة وطن لم نعرف فيه الطوائف ولا يميّز جلّنا بينها، أن أدرس خريطة سوريا والعراق مدينة، مدينة قبل أن أتعاطف مع ضحية. هل أحقّق في مذهب ميّت لأعرف هل أصفه بالقتيل أم بالشهيد؟ فأقرّر أأبكيه أم أشمت به؟

المقالات الستين التي كتبتها سابقا عن العراق، إذن ، وبكيت فيها الفلوجة والموصل وحلبجة وبغداد، كيف فاتني أن أفتح عيون موتاهم لأسألهم عن معتقداتهم وأعراقهم. وقد كنت أخال العراق وطنا واحداً، كما سوريا ولبنان. فهكذا هي في قلوب الجزائريين وأبناء المغرب العربي أجمعين. 

لقد قضيت ليلة البارحة في متابعة الحروب والشتائم المتبادلة بينكم في صفحة أحمل مسؤوليتها، وكان أجدى بي أن أقضيها في العبادة فقد كانت من أفضل الليالي عند الله.

عذرا أحبّتي، أتعبتني خلافاتكم التي لا عهد لي بها، فقد جئت هذا العالم طيبة وبريئة. أنا امرأة جزائرية، جنسيتي عربية، ديني الإسلام وقضيتي الإنسانية. وبحكم تربيتي أؤمن أنّنا نولد جميعنا بشر، بعضنا رفعهم الله إلى مرتبة إنسان. لذا ما كانت لي من غاية في هذه الدنيا غير الفوز بهذه المرتبة.

أتمنّى أن تعذروا صمتي بعد الآن، لن أعلّق على أيّ حدث كان. تباً لها من أمّة لا يمكن للمرء فيها أن يكون مواطناً ولا إنساناً ولا حتى بشرا. لا أعرف أمّة غير العرب تكفّلت بتحقيق أمنيات أعدائها، وخاضت الحروب نيابة عنهم، وأعادت أوطانها نصف قرن إلى الوراء، وما زالت تموّل خرابها، وتقتل وتذبح أبناءها بخنجرها، كي ينعم عدوّها بالأمان.

أخيراً.. للّذين سألوني لماذا لم أكتب عن مذبحة أخرى لأطفال سوريا غير هذه، أنشر إحدى النصوص التي كتبتها بتاريخ 1 يوليو 2012، وثمّة غيرها بإمكانكم العثور عليها في الانترنت.

“مذ مذبحة الحولة ما عدتُ كاتبة، أنا أمٌّ تنتحب. تلك الطفولة النائمة في لحاف دمها عرّتني من أي مجد أدبي، أصغر طفل مُسجّى في شاحنات الموت، هو أكبر من أيّ كلمات قد يخطها قلمي. اسمحوا لي أن أصمت بعض الوقت. لا حبر يتطاول على الدمّ.

هؤلاء الصغار الذين ذهبوا في براءة ثياب طفولتهم، يواصلون نومهم في أكفان أصغر من أقدارهم، خضّبوا بدمهم دفاتري، شلوا برحيلهم يدي. بعدهم أصبحت أخجل أن أكون مازلت على قيد إنسانيتي، أتقاسم الحياة في هذا العالم مع قتلة، يحملون أوراق ثبوتيّة تدّعي انتسابهم لفصيلة البشر. أحتاج أن يتجاوز دمعي ذهوله لأكتب أحاسيسي. رحم الله شهداء سوريا الحبيبة الصغار منهم والكبار، وعوّضهم في الآخرة بحياة أجمل من التي سُرقت منهم في هذا العالم الذي أمسى حقيرًا.

3 تشرين أول 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s