مع ظهور داعش، تذكير بمقال مكتوب في نيسان عام 2012

 Untitledى

نارام سرجون

أيها الأصدقاء

يبدو أن صدمة العنف التي سببها عنف داعش المفرط (والذي لايختلف عن عنف جبهة النصرة والجيش الحر الا أنه مصور بطريقة دعائية حرفية) جعل ردة فعل الناس تتجاوز حدود الفهم للظاهرة لتصبح نقمة على الدين الاسلامي وكأنه الوعاء الذي يشرب منه العنف ماءه.. والمائدة التي تطعم القتلة وتشبعهم.. والثدي الذي يرضع كبار القتلة وصغارهم.. رغم أن تاريخ الاسلام ليس خاليا من العنف كحركة تاريخية ودينية ولكن ليس كل العنف من اختراع الاسلام كما أن الاسلام ليس كله وعاء عن العنف والجنس والابادة..

وأنا مع اصراري على المواجهة مع الاسلام السياسي المهجن مع الناتوية والبراغماتية والاسرائيليات والذي كان وبالا على الاسلام نفسه فانني أتمنى عند الكتابة عن الأحداث ألا نقع في فخ الانتقائية وسوء الرؤية وألا يصل بنا الغضب الى حد حرق الجذور وحرث الأرض بالملح.. ولذلك وجدت أن هذه المقالة التي كتبتها في نيسان عام 2012 يجب التذكير بها.. ومراجعتها. فلايجب القول ان المسلمين هم الذين اخترعوا العنف والسكين لأن العنف سلوك لم تستثن منه أمة من الأمم.. وبالأمس القريب بنى الامريكيون امبراطوريتهم على مذابح لا تصدق بعشرات ملايين الهنود الحمر.. وهم الامة الوحيدة التي استعملت السلاح الذري ضد مدنيين.. وأعادوا الكرّة بالعنف في فييتنام وكوريا.. ومنذ سنوات في العراق يذكر الجميع مجزرة ملجا العامرية وقصص أبو غريب المرعبة وقصة اغتصاب العراقيات والطفلة عبير الجنابي التي اغتصبها الجنود الامريكان بعد أن قتلوا أهلها في الغرفة المجاورة.. ولا يحق لمن دمر مدن المانية مثل درسدن وشتوتغارت بالقنابل وقتل مئات الالاف أن يعطي دروسا عن وحشية البراميل المتفجرة المليئة بالبارود والبنزين..

ومن يرجع الى كتاب منير العكش (تلمود العم سام) سيجد فيه ما يلجم اللسان ويكفي ان البيت الأبيض ألغى فكرة توسيع حديقة البيت الأبيض لأن المشروع اصطدم بمقابر جماعية وجماجم الهنود الحمر التي طلعت مع كل رفش وفي فم كل جرافة..

ولذلك وجدت من المفيد اعادة نشر هذه المادة التي يقول في النهاية ان داعش فكرة توراتية وثقافة اسرائيلية.. قبل أن نلبس الاسلام كله ثوب المجرم ونمسح بعباءته كل سكاكيننا وكراهيتنا..


التوراة عادت الى جزيرة العرب.. والحديقة التوراتية في السعودية

هنالك كتب كتبت لا لتقرأ.. بل ليتكئ عليها صاحبها في المجتمع والحياة وليزداد ارتفاع قامته القصيرة بين الناس كما هي كتب برهان غليون.. وهي كتب تموت في طفولتها أو تلبس الأكفان بسرعة بعد موت أصحابها وربما تدفن معهم في ذات الليلة وفي ذات القبر من النسيان كما سيحدث مع كتب غليون.. فكلما أمسكت بأحدها كأنني أمسكت بمومياء بلا روح..

ولكن هنالك كتب كتبت لا لتقرأ فقط بل لنتعلم منها معنى التحدي والدهشة ومعنى الغرق في فيضان الحروف على الورق.. ومعنى الذوبان في الزمن.. لا فرق بين شفق أو غسق.. انها كتب كتبت ليتكئ عليها العقل البشري كله كلما تعب من الكسل والتبلد وتعرض لمحاولات “الاغتيال”.. وكتّابها لا يموتون مهما أهيل التراب على أجسادهم الملفوفة بالأكفان.. وكأنها منحتهم سر الخلود العظيم..

وكتاب كمال الصليبي (التوراة جاءت من جزيرة العرب) هو من هذا النوع من الكتب التي ان أمسكت بها أحسست بضربات قلب ما يخفق بين دفتي الكتاب.. ولمحت عيني التاريخ تنظران اليك بوجل من أن تكشف أسراره الدفينة..

لم يخطر ببالي عندما قرأت هذا الكتاب منذ سنوات (التوراة جاءت من جزيرة العرب) أنني انما أقرأ كتابا عن المستقبل الذي عاد الى الماضي.. وأنا هنا لست باحثا مختصا لأقبل أو لأرفض ما ذهبت اليه نظرية كمال الصليبي وبراهينه المدهشة وأبحاثه من أن القصص التوراتية وقعت بلا أدنى شك خارج فلسطين وتحديدا في جنوبي الحجاز وبلاد عسير وأن فلسطين بريئة من كل ما نسب اليها من قصص التوراة.. بل أنا هنا لأعيد اكتشاف اتجاه التوراة التي خرجت من جزيرة العرب لأجد أنها عادت اليوم الى جزيرة العرب.. فالسلوك السعودي ومشيخات الجزيرة العربية عبر تاريخ أزمات المنطقة يجعل السؤال المطروح هو: هل عادت التوراة الى جزيرة العرب؟

الاستاذ الكبير والثائر كمال الصليبي رحل عنا في العام الماضي وتركنا في أشد لحظات المواجهة الصعبة وهي لحظة تفجر الصراع مع فكر التوراة ذاته الذي عاد واستقر في نفس المكان الذي خرج منه.. أي “الجزيرة العربية”.. فما يحدث الآن لا يمكن تفسيره تاريخيا الا على أنه سلوك وثقافة توراتية تلمودية تحكم جزيرة العرب من جهاتها الأربع عبر ممارسات مجموعة من الحكام والملوك والأمراء الذين يملكون كل شيء وبقية الشعب أغيار لا تملك ولا تحكم.. بل تخدم.

ويبدو أن الأستاذ والباحث الفذ كمال الصليبي قد التقط اللحظة التاريخية التي انطلقت منها التوراة من مكان لا يخطر على بال وهو.. الحجاز وعسير.. ولكن ما لم يعرفه الراحل الكبير هو أن جنود التوراة الآن هم في فلسطين.. بينما فكر التوراة ذاته قد عاد الى الجزيرة العربية كلها في ثوب يسمى الوهابية والقرضاوية وبدأ هذا المقص الرهيب بقضم الاسلام نفسه وقضم المجتمعات الشرقية بالتدريج بتقطيعها بأسنان العنف وفتاوى القتل.. وبطحنها بأضراس الجهاد المجنون الذي أخذ شباب الشرق الى غابات الفلبين ومتاهات الشيشان وجبال تورا بورا..

وقد قيل الكثير عن صراع وتناقض بين القرضاوية والوهابية ليتبين لاحقا انه صراع على الاستيلاء على دار الافتاء الشرقي لسحب البساط من تحت الأزهر الشريف والمراجع الاسلامية الكبرى في الشام ومصر.. ولكن التناقض بين القرضاوية والوهابية يستحيل الى انسجام وقرع الكؤوس المليئة بالموت بالكؤوس المترعة بالدم في سورية وليبيا والعراق.. فثقافة التوراة العنيفة اجتاحت جزيرة العرب بصمت..

ويشرئب السؤال المخيف: هل يكفي القبول بأن السلوك السعودي ضد استقرار كل شعوب المنطقة العربية وضد حركات التحرر في الشرق بما فيها فلسطين ناجم عن تناقض مصالح المملكة مع طموحات الحكم الثوري في مصر أيام عبد الناصر.. والبعث العراقي والسوري والثورة الايرانية والحكم الشيوعي وكل تجارب الانفتاح نحو المشاريع الكبرى التحررية؟..

كنا نفلسف السياسة ونقول بأن الملكية المطلقة كنهج للحكم في الجزيرة العربية غير معنية بتحرير فلسطين بسبب أن هذه الملكية ترى أن مصلحتها هي في بقاء النقيض الرئيسي الخارجي للعرب – وهو اسرائيل – كيلا تنشغل الشعوب العربية للتعامل مع التناقض الثانوي الداخلي المتمثل بالحكم القروسطي المتخلف وسطوة العائلات المالكة في جزيرة العرب؟ ولذلك كنا نقول ان اسرائيل موجودة لتبقى الممالك العربية في الجزيرة العربية.. وبالعكس أيضا.. فالممالك العربية موجودة لتبقى اسرائيل في عقد تخادم بين المتناقضات.. لكن هذا التبرير الفلسفي للسياسة وهذا المنطق السطحي سقط وتآكل عندما سقطت القلاع القومية واحدة بعد الأخرى.. فهذا التبرير كان يمكن قبوله في الماضي قبل جلاء غبار المعارك وانقشاع الغبار عن عيون الكوارث التي حلت بنا.. فالحقيقة الرهيبة هي أن سلوك المملكة العربية السعودية والمشيخات الخليجية تجاه أزمات المنطقة ليس ناجما عن صراع بينها وبين قوى تقدمية تحررية.. بل جذوره أعمق بكثير.. انه السلوك التوراتي لجذر توراتي.. وثقافة توراتية.. أدخلت الى الجزيرة العربية.. كما أدخلت “الاسرائيليات” الى الفكر الاسلامي منذ زمن طويل..

الباحثون الاسلاميون يقرون أن الفكر التوراتي تسلل الى الاسلام الحديث كما تسلل قديما في قضايا كثيرة.. فمثلا تسلل الينا اسم حواء من التوراة.. فاسم حواء مثلا لم يرد في القرآن بل زرعه التوراتيون في وعي المسلمين ووعي علمائهم باستجلابه من قلب التوراة.. فالقرآن لا يعرف اسم حواء (وقُلنا يا آدم اسكُن أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رغدا حيث شئتما).. وكذلك دفع التوراتيون اسم قابيل وهابيل الى رواياتنا الاسلامية في وقت لم يذكرالقرآن اسميهما صراحة.. والصحيح أنهما تسللا الينا من قصص التوراة أيضا.. فرغم أن القرآن اكتفى بالاشارة الى ابني آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا..) فان المسلمين يرددون الحكاية التوراتية عن أخوين اسمهما “قابيل وهابيل”..

ويفاجئنا الباحثون الاسلاميون المغيّبون عمدا عن فضائيات العرب بقصص مخيفة عن تسلل الثقافة التوراتية الى الاسلام واجتياحه.. اجتياح بدأ باستيلاء جغرافي على معقل الاسلام في الجزيرة العربية وانشاء دولة مشبوهة سميت “السعودية” محاطة بثآليل دول مثل قطر والبحرين والكويت.. اسم الدولة “السعودية” نفسه استيلاء على ملكية عامة للأرض وفيه طمس مجنون لشخصية الفرد العربي “المحمدي” لالحاقه نفسيا بعائلة وليس بوطن.. فمات الوطن لديه وعانى هو من انفصام لأنه ينتمي دون غيره من البشر على هذا الكوكب الى اسم عائلة بلا جذور ولا قبور.. فكان الاهتزاز النفسي سببا في تمكّن الثقافة التوراتية المستوردة من ابتلاعه مع عظامه.. واغراق عقيدته في التناقضات الفصامية.. فهو يرى مثلا بأم عينه فصلا متشددا بين الرجال والنساء في كل مناحي الحياة وهو محاصر بالبراقع والنقاب.. لكن في موسم الحج يجد أن الاختلاط والتراص بين الرجال والنساء هو في قلب الشعائر الطبيعية للحج منذ وجد.. فلا يفهم تناقضاته..

وكما اقتفى الأستاذ الراحل صليبي أثر كل كلمة توراتية وربطها بعبقرية بمكانها الجغرافي في الجزيرة العربية في ظل غياب صريح لشبيه على أرض فلسطين، فسنقتفي خيوط الترابط بين الثقافة التوراتية والتلموديات وبين الثقافة العنفية التي ترعاها المملكة العربية السعودية منذ نشوئها كثقافة جديدة مقدسة ويرعاها كل رهط الاسلاميين الذين يرضعون من أثداء أنظمة الحكم التوراتية في الجزيرة العربية من قطر الى السعودية..

فكان السؤال دائما حائرا على الشفاه: كيف يقبل المسلمون بتحليل دماء بعضهم بعد كل هذه التجارب الدامية في التاريخ وبعد رؤية التجربة الأوروبية الناجحة في التعايش بين المذاهب ذات الجذر الواحد.. وفتاوى الموت في القرن العشرين لا تأتي الا من جزيرة العرب.. مهد الاسلام الأول؟ ومن اتحاد علماء المسلمين نفسه.. ويعود السؤال للصراخ من جديد.. هل هي الأنفاس التوراتية التي يتم ضخها عمدا في رئات علماء المسلمين في الجزيرة العربية؟

فالموت الذي جلبه السعوديون مع المحافظين الجدد على ملايين العراقيين مرتين في عاصفة الصحراء وما تلاها من حصار ومن ثم في تحرير العراق من صدام حسين لا يفهم أنه خلاف سياسي بقدر ما أنه ثأر توراتي من بابل الناهضة من غبار الزمن.. ولم تأخذ بالحكم السعودي شفقة بالشعب العراقي سنته وشيعته.. والغريب أن السوريين والايرانيين العدوين اللدودين سياسيا لصدام حسين كانا يقومان بتمرير الغذاء والدواء للعراقيين عبر تسهيل عمليات التهريب عبر الحدود لأن الحصار كان ضد الشعب العراقي وليس ضد صدام حسين.. فيما طبقت السعودية حصارا على العراق لا يشبهه الا حصار اسرائيل على غزة ولم تعرف سياستها الرحمة بالعراقيين.. بل ولا يزال العراقيون حتى الآن يعانون من الفكر الوهابي الذي يقتل شبابهم بالعنف الانتحاري الذي تتحكم بقوته فتاوى أرض الحجاز التي انطلقت منها التوراة يوما كما يعتقد كمال الصليبي.. فتاوى دموية لا تشبهها الا النقمة التوراتية على بابل..التي سبت اسرائيل مرتين..

والموت والخراب الذي رعاه السعوديون والقطريون في ليبيا لا يفهم على أنه انتقام ملوك من “ملك الملوك”… ولم يعد انفعال السعودية ضد الرئيس بشار الأسد يفهم بأنه للثأر من كلمة “أنصاف رجال” التي وصفهم بها.. أو للتصدي لمحور شيعي.. بل هو رغبة جامحة بادخال ثقافة الخراب الى كل هياكل المجتمعات العربية.. تماما كما حل الخراب بالهيكل المزعوم في القصص التوراتية.. فمشاهد خراب العراق وخراب ليبيا لا تشبهها الا القصص التوراتية التي وصفت خراب الهيكل.. وما تحاول المملكة العربية السعودية اثارته في سورية من خراب عبر حقن السلاح والمسلحين لا يشبه الا اعادة الخراب الى أرض كنعان وفق العقيدة التوراتية..

أما حجم العنف وثقافة العنف والكراهية المريضة التي انتشرت في المنطقة فلا يمكن نسبها الى أن الثقافة الاسلامية عنيفة بحد ذاتها فالاحتكاكات بين السنة والشيعة عبر التاريخ كانت موجودة لكن محدودة زمنيا ولفترات قصيرة بل ومعاركها الكبرى معروفة.. وكل قصص عنفها تفهم على أنها أحداث طبيعية طارئة في سياق نزاعات تاريخية تمر بها أي ثقافة وأي صراع داخلي.. لكن احياء ثقافة الفترات العنيفة في الشرق والتركيز عليها في القرن العشرين بشكل لم تشهده حتى في لحظات اندلاعها منذ 1400 سنة لم يعد يفهم الا على أنه هجوم واختراق توراتي كبير.. فوصلنا الى مرحلة مهينة دامية لم يمر بها هذا الشرق في تاريخه.. فالسنوات الأخيرة شهدت أطول مذبحة تاريخية بين المسلمين على مساحة تمتد من باكستان الى ليبيا بتدخل مباشر من السعودية.. السعودية التي تستعد لادخال الشرق الى المذبح الكبير عبر تجييش العواطف والغرائز وتحريض منقطع النظير ضد معظم طوائف ومذاهب المسلمين.. ولكن من أين أتى جذر هذا العنف الذي تضخه السعودية بلا توقف في عملية انتاجية نشطة لا تتوقف؟

لنتأمل مثلا هذه القصاصات التوراتية ولنلاحظ مدى تشابه العنف التوراتي مع منطق الفتاوى الدينية التي  تنطلق من السعودية وقطر ومن اتحاد علماء المسلمين ضد المسلمين.. ومن يدقق في ظلال العبارات التوراتية فسيرى فتاوى اللحيدان وبن باز والعريفي بابادة ثلث الشعب السوري ويرى العرعور يفرم لحوم الطوائف من مكمنه السعودي (وبمصطلحات لم ترد بقسوتها على لسان ابن تيمية).. والقرضاوي يأمر باهدار الدماء وتمجيد التقاتل وسفك دم الأقليات بحجة دعمها النظام القمعي.. ويجد الناظر الى هذه القصاصات التوراتية أن “الثوار المجاهدين” في العراق وليبيا وسورية يطبقون بالضبط هذه المقولات التي صدرت عن “حاخامات المسلمين” في جزيرة العرب.. جزيرة العرب التي عادت اليها ثقافة التوراة… فتعالوا نراجع بعض ما تقوله أسفار التوراة مثلا ونقارنها بفتاوى الموت القادمة من جزيرة العرب:

– ملعون من يمنع سيفه عن الدم (سفر ارميا)

– قال الرب إله إسرائيل: على كل واحد منكم أن يحمل سيفه ويطوف المحلة من باب إلى باب ويقتل أخاه وصديقه وجاره (سفر الخروج)

– فإذا استسلمت وفتحت لكم أبوابها، فاضربوا كل ذكر فيها بِحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغنموها لأنفسكم وتمتعوا بغنيمة أعدائكم التي أعطاكم الرب إلهكم. هكذا تفعلون بجميع المدن البعيدة منكم جدا، التي لا تخص هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الأمم التي يعطيها لكم الرب إلهكم ملكا، فلا تبقوا أحدا منها حيا بل تحللون إبادتهم، وهم الحثيون والأموريون والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسيون، كما أمركم الرب إلهكم (سفر التثنية).. وهنا تستبدل الفتاوى السعودية الأموريين والكنعانيين ووو…. بالشيعة والعلويين والمسيحيين والدروز ووو..

– إذهبوا في المدينة وراءه واضربوا. لا تشفقوا ولا تعفوا. اقتلوا الشيوخ والشبان والشابات والأطفال والنساء حتى الفناء (حزقيال)

– فأوصوا بني بنيامين قائلين: انطلقوا إلى الكروم واكمنوا فيها. وانتظروا حتى إذا خرجت بنات شيلوه للرقص فاندفعوا أنتم نحوهن، واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأة واهربوا بهِن إلى أرض بنيامين (سفر القضاة).. ويشبه ذلك عملية الافتاء باغتصاب النساء في العراق وسورية التي يطبقها الجهاديون (مجزرة الدجيل الشهيرة مثلا).. ودعوة أحد شيوخ درعا لسبي نساء الدروز..

– فضربا تضرب سكّان تلك المدينة بحدّ السّيف وتحرّمها بكلّ ما فيها مع بهائمها بِحدّ السّيف. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنّار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرّبّ إلهك فتكون تلاّ إلى الأبد لا تبنى بعد (سفر التثنية)..

– فقاتلوا مديان كما أمر الرب موسى وقتلوا كل ذكر ومنهم ملوك مديان الخمسة، وسبى بنو اسرائيل نساء مديان وأطفالهم وجميع بهائمهم ومواشيهم وغنموا ممتلكاتهم وأحرقوا بالنار جميع مدنهم بمساكنها وقصورها واخذوا جميع الأسلاب والغنائم من الناس والبهائم (سفر العدد)

– فخرج سيحون الى ياهص بجميع قومه الى محاربتنا فأسلمه الرب الهنا الى أيدينا فقتلناه هو وبنيه وجميع قومه وفتحنا جميع مدنه في ذلك الوقت وحللنا في كل مدينة قتل جميع الرجال والنساء والأطفال فلم نبق باقيا (التثنية 3)

هذه المقولات التوراتية لا تختلف عن فتاوى الجهاد ضد الطوائف التي يطلقها حاخامات المسلمين في السعودية يوميا. ومن يقول انها فتاوى للجهاد فقط يخرج السؤال التالي حانقا ويصرخ في وجهه: لماذا لم تصدر صيحة ادانة واحدة لمشاهد الذبح والقتل ضد المدنيين التي كانت تتم مصورة وعن عمد في مسالخ بابا عمرو؟..ولماذا لم يهرع حاخامات المسلمين في السعودية التي تخضع لثقافة التوراة الى التشديد على منع هذا العنف لولا مباركتهم له؟.. بل ان الشواطئ الشرقية للجزيرة العربية حيث التوراة في أسفارها “القطرية” لم تتردد في تشجيع العنف ومنع وتحريم الصلح.. في تذكير لما ورد أعلاه من شبق للعنف التوراتي والقتل الممنهج الالهي..دون دعوة للمصالحة أو الجنوح للسلم..

والغريب والمذهل الذي يضع العقل في الكف أن رئيس اتحاد العلماء المسلمين الحاخام “عوفاديا يوسف القرضاوي” (الناطق باسم التوراة في أسفارها القطرية) أرسل يوما الى بابا الفاتيكان رسالة يقرعه فيها على اتهام الاسلام بالعنف.. والمدهش أن الحاخام القطري قد اجتهد في انطاق القرآن بالسلام عندما تعلق الأمر بالعدو الخارجي.. وكل ما قاله للبابا يقول نقيضه اليوم بحق المسلمين.. فتعالوا نقوم بزيارة الى “وصايا القرضاوي” التي تخرّ ساجدة للسلام مع بابا الفاتيكان لكنها في حروب المسلمين الداخلية يصير لها أنياب ومخالب توراتية ويتحول الاسلام بها الى ذئب مفترس يلعق الدم من أعناق البشر ولا يشبع.. فمما يقوله القرضاوي بتهذيب للبابا مايلي:

انظر إلى هذه الكلمة المُعبِّرة: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}، يذكرها تعالى في معرض الإنعام والامتنان على النبي وهي أن المعركة انتهت بغير قتال أو دم.. كما أن القرآن يسمي صلح الحديبية “فَتْحاً مُبِيناً”.. ففي غزوة الحديبية بايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال حتى الموت، وعدم الاستسلام بحال، ثم شاء الله تعالى أن يتفاوض المسلمون والمشركون، وأن ينتهوا إلى الصلح المعروف بـ(صلح الحديبية) والذي يتضمن هدنة مدتها عشر سنوات، تُغمد فيها السيوف، ويكف كل فريق يده عن الآخر.. ينزل هنا قرآن يُتلى، يسمي هذه الهدنة أو هذا الصلح: {فَتْحاً مُبِيناً}، تشجيعا للصلح حتى مع الكافر وتنزل سورة الفتح..

وقال تعالى في هذه السورة مُمتنًّا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24]، فالصلح هنا لا يمتن بكف أيدي المشركين عن المؤمنين فقط، بل يمتن أيضا بكف أيدي المؤمنين عن المشركين أيضا.. فهذا هو التعبير الحقيقي عن حب السلام الذي يسود الطرفين معا.

أما هذه الفقرة فمن المدهش أن عمال التوراة في جزيرة العرب لا يسمحون بها.. اطلاقا.. فاسمعوا مايقول القرضاوي مثلا لبابا الفاتيكان:

وإذا اضطر المسلمون أن يخوضوا معركة فُرضت عليهم، فإنهم مأمورون أن يُقلِّلوا من خسائرها البشرية والمادية ما أمكنهم، فلا يقتلون إلا مَن يقاتل: لا يقتلون امرأة ولا طفلا، ولا شيخا فانيا، ولا راهبا ولا فلاحا ولا تاجرا، إنما يقتلون مَن يقاتل فحسب. كما أنهم لا يقطعون شجرا، ولا يهدمون بناء، ولا يفسدون في الأرض، ولا يقومون إلا بما تقتضيه ضرورة الحرب.

لكن في سورية قتل مجاهدو التوراة المرأة والطفل والشيخ والرهبان والفلاحين والتجار ودمروا الشوارع والمدن.. ولم ينبس شيوخ التوراة جميعا ببنت شفة.. بل أهدروا دم من يمنع الدم.. في تذكير للمقولة التوراتية أعلاه (ملعون من يمنع سيفه عن الدم).

ولكن هذه العبارة التالية ستفتح عيون الثوار السوريين الى حقيقة مفزعة وهي أن القرضاوي قال للبابا:

يأمر القرآن المسلمين أن يستجيبوا لدعوة السلم إذا دُعُوا لها، ولو بعد وقوع الحرب، واشتعال وقودها، يقول تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:62،61].

وهنا يزيد القرضاوي للايضاح قائلا: حتى مع احتمال خداع العدو للمسلمين، لا ينبغي أن تُرفض دعوة السلم بإطلاق، وإنما يجب أن نجنح لها كما جنحوا.

طبعا في سورية وليبيا والعراق هذا لا يجب تطبيقه ولا يجب الركون للسلم مع النظام الكافر والشيعة الكفرة والليبيين أصحاب القذافي ولا يجب التعامل مع دعوتهم للحوار حتى على أنها خديعة تستوجب تشجيعها بل هي مدعاة لاستمرار الجهاد حتى آخر قطرة دم مسلمة..

وأخيرا يتحفنا القرضاوي بالقول للبابا أيضا:

حتى لفظة (حرب) من المفردات التي يكره الإسلام تكرارها على ألسنة الناس، ومن حرص الإسلام على السلم: أنه فرض على المسلمين هدنة إجبارية يمتنعون فيها عن القتال لمدة أربعة أشهر، أي ثلث العام، وهي الأشهر المعروفة بـ (الأشهر الحرم) وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة:2].

ومن يتابع فتاوى شيوخ التوراة في الجزيرة العربية للجهاد والقتل يجد أنها تكاثرت وتناسلت وتزاوجت وتناكحت في تلك الفترة المفروضة اسلاميا كأشهر حرم.. ويجد أن كل ما ثرثر به القرضاوي أعلاه أغفل تماما في الصراع الداخلي العربي في المجتمعات التي دفعت الى ارتكاب فظائع وشناعات “الربيع العربي”.. وم ازالت كل هذه الكنوز من الرحمة مغطاة بالدم والكراهية الدينية.. ومدفونة تحت ركام تقارير الجزيرة والعربية وصور الفبركات والتمثيليات.. ويصر سؤال هنا على أن يتقدم الينا ويقول ودون خجل للحاخام القرضاوي وحاخامات السعودية:

لماذا ورد في القرآن في سورة الفتح (محمدٌ رسولُ الله والذين آمنوا مَعَهُ أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾.. فيما تنقلب الآية لتصبح توراتية على الأرض.. فالثوار الذين فرّختهم الثقافة التوراتية في جزيرة العرب السعودية وآمنوا بحاخامات المسلمين في السعودية وقطر صاروا (أشداء على المسلمين رحماء على أهل الناتو)؟..

الجواب هو في جواب رجل دين ثائر من مكة التقيته ويرفض أن يبتلع اسم الأسرة السعودية بلاده لأنه لا يشك أن للأسرة جذرا توراتيا..اذ قال لي:

سأحيلك الى ماقاله الشيخ أبو حامد الغزالي صاحب “احياء علوم الدين” فقد قال: “ان نصف الكفر في هذا العالم يتسبب به رجال الدين.. فهم يبغّضون الله الى خلقه اما بسوء صنيعهم واما بسوء كلامهم”.. تماما كما يفعل حاخامات الاسلام في جزيرة العرب.. الذين بغّضوا الاسلام على قلوب المسلمين.. وعلينا احياء علوم ديننا بالتخلص من الأسرة التوراتية في الحديقة التوراتية السعودية..

مما سبق نجد أن المقارنة بين ثقافة العنف والكراهية القادمة من جزيرة العرب وبين ثقافة التوراة الدموية تجعل الميزان لا يرجح.. فالكفتان متعادلتان..لأن المصدر واحد والجذر واحد.. والمشكلة الآن ليست فقط في نصف الاسلام الباقي الذي صار بغيضا علينا كما ذكر الغزالي.. بل في النصف الذي التفّت عليه أفعى يهوذا.. وصار يصدّر لنا فكر التوراة.. من جزيرة العرب.. فالتوراة عادت الى جزيرة العرب.. يا أتباع ابن عبد الله بن عبد المطلب.

نيسان 2012

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s