غزة بين الحب والانتقام والثائر الكذاب، كش جمل

IMG_7157

نارام سرجون

أعترف أن مهمتي اليوم في الكتابة صعبة جدا.. وأعترف أن الكتابة عن غزة اليوم تشبه الكتابة عن السقيفة وصفين والجمل.. انه حديث عن متناقضات وجدل لا ينتهيان.. فمن منا سينصف حادثة السقيفة ومبررات أهلها ويهدمها من الذاكرة؟ ومن منا سيفهم آلام أهل صفين والجمل ودمهم ونحن صرنا نتقاتل على ملكية الجمل بل وصار بعضنا يفتش عن مشاعر الجمل وموقفه هل هو معارض أم مؤيد؟ هل كان فارسيا أم عربيا؟..

لا تشبه الكتابة عن غزة اليوم الا الكتابة عن الحب والانتقام.. وعن الجرح والسكين.. وعن الذهب والرغام.. وعن الصليب والصالب والمصلوب وعن القيامة وعن من قام.. بل سيكون سؤالي هو: ماذا أفعل وأنا أرى الجرح يقطع السكين حتى ينزف نصلها ويختلط دمها بدمه؟..

ولكن ماذا أفعل وقلبي يتخاصم مع عقلي؟.. وماذا أفعل وعقلي ينتقم من قلبي؟ وماذا أفعل والجرح يتصارع مع الدم لا مع السكين.. وماذا أفعل ان كان دمي لا يريد أن يكون دمي؟ وماذا أفعل وجراحي لا تريد أن تسكت وتندمل بل يتدفق دمها كما لو كان انسياب الخواطر الحمراء القانية.. وهي لاتريد أن تنسى مذاق السكاكين التي رسمت لها شفاهها.. ولا تقدر أن تحب السكاكين؟

في غزة مجزرة وشهداء.. ولكن في غزة يبرك بين الناس شيء من الجمل الذي يثير الفتن.. البعض نسي الشهداء والضحايا وصار يبحث في موقف الجمل الذي في غزة.. والجمل الذي في الدوحة..

الأخلاق لاتسمح لأحد بأن يلقي محاضرة على من يموت في غزة ولاأن يقترب من الضحايا وجثامين الشهداء ليتحقق من موتها ويتلمس لزوجة دمها وحرارته أو ليلقي أمام عيونها المغمضة درسا عن اليقظة والاقبال على الحياة والتفاؤل.. ودرسا عن أرسطو وأفلاطون وسقراط.. والمدن الفاضلة.. كما يفعل الساسة الأتراك الذين تركوا القتلة يقتلون دون أن يزجروهم وانشغلوا بالقاء الدروس والتشاجر مع الرئيس السيسي وليس مع القاتل نتنياهو.. صفاقة الأتراك لم تعد تحتمل في استحمار العرب والمسلمين وهم لايقتربون من اسم نتنياهو القاتل بل يرون في غزة فرصة للثأر من الرئيس السيسي ويبدون مسرورين بزيادة الضحايا ليغرفوا مزيدا من أشلاء الغزاويين بأصابعهم القذرة ويقذفوها على السيسي حتى كدنا نعتقد أن السيسي هو من يقصف غزة.. لا اسرائيل.. وأن الجيش المصري هو من يقاتل في خان يونس ورفح وان نتنياهو يفتح لهم المعابر ويرسل لأطفالهم المحاصرين الحليب والبطانيات في عبوات ترميها الطائرات الاسرائيلية..

في غزة وليمة عظيمة فيها لحم فلسطين.. وسماط لحم الغزيين المشوي على عربات السياسة صار بسرعة تلالا.. والمدعوون لم ينهضوا بعد عن ولائم أقيمت لهم في ليبيا.. وسورية.. والعراق.. واليمن.. وليمة اثر وليمة وهم يطحنون تحت أسنانهم شرائح اللحم حتى أصيب المدعوون بالتخمة وصاروا يتجشؤون بين خطوط التقسيم جشاءة من بطن داعش وهنري ليفي.. وفي كل زاوية في الشرق أكوام اللحم البشري.. التي تنهشها قطعان الكلاب الضالة.. والذئاب.. والرعاة الكذابون.. والثوار الكذابون.. انه زمن التحالف بين الذئب والثائر الكذاب.. فليس أسوأ من الراعي الكذاب سوى الثائر الكذاب..

من يستمع لأوجاع الغزيين يضطر أن يخوض البحر ليعرف أسرار حرب غزة.. فوراء كل الحروب أسرار.. فهل غزة هي نهاية الانقلاب “الربيعي” في مناخ الشرق الأوسط.. وهل عصر غزة سيأكل عصر داعش؟ أم أن داعش ستدخل غزة من معبر كرم أبو سالم؟ أم أن غزة طوق نجاة للغارقين؟ ولكن.. من هم الغارقون؟..

من يتأمل المشهد يحس بالاهانة الشديدة واللاعدل لأن هناك افتراقا بين ماتقدمه غزة من بطولة ودم وماصارت تمثله من مقاومة وبين مايمثله قادة المكاتب السياسية لحماس وغيرها في الخارج من ميوعة ثورية وتخمة سياسية وتخمة نفطية..

فهناك في غزة ملحمة بالمعنيين الاسطوري والفيزيائي.. بطولات وصمود الشعب ملحمة.. ومجازر اسرائيل تجعل غزة أكبر محل جزارة على الأرض و”ملحمة” لتقطيع وفرم اللحم البشري ولتعلم فرم المدن والبشر في خمسة أيام.. ففي 14 يوما بلغ عدد الضحايا قرابة 8000 آلاف بين شهيد وجريح.. أي بعد أسابيع سيبلغ عدد الضحايا مجموع ماسقط في سورية من ضحايا خلال أربع سنوات من الصراع بين الشعب السوري وووكلاء حلف الناتو.. ومع ذلك لم يتحرك الثوار والمسلمون الغيارى بل جلست مقاعدهم ومؤخراتهم على الأرض بكسل وصاروا يلومون حزب الله على “تخاذله” في غزة.. ويطلبون منه نصرة غزة بدل سورية وهم قاعدون.. ونسي هؤلاء أن يطلبوا من أصدقاء الشعب السوري الأوفياء أن يكونوا أصدقاء لغزة ويستدعوا الفصل السابع والحظر الجوي والجهاد..

وهناك في نفس الوقت وفي خارج غزة يجلس الراعي الكذاب.. أو الثائر الكذاب.. فمن سيصدق الثائر الكذاب بعد اليوم وهو يتمطى ويتثاءب نعسا في الدوحة على الأرائك ويحرص على رشاقته ويتقاتل مع شحمه بكل الوسائل في ظلال قاعدة العيديد وفي ظل دعاء مفتي الناتو الذي قتل كل أصدقاء الفلسطينيين.. من عراقيين وسوريين ومصريين وليبيين ويمنيين ولبنانيين.. وأبقى فقط أعداء الفلسطينيين يحومون حول جسد فلسطين من الأتراك والأوروبيين وأهل المال والنفط ليستروا على شرفها بجهاد النكاح كما يفعلون مع لاجئات مخيمات اللجوء في تركيا والزعتري؟

في غزة يبدو أن هناك حربين بين اتجاهين.. وفي خارج غزة هناك حرب أخرى أكثر شراسة بين نظريتين مختلفتين:

النظرية الأولى تقول ان الحرب هي نتيجة اتفاق بين ايران وحماس منذ اجتماع أمير حسين عبد اللهيان مع سيء الذكر خالد مشعل والذي أبدى نوعا من الاعتذار المقنع والندم الخفي عن موقفه من الشعب السوري.. هذه النظرية تقول بأن الايرانيين أفلحوا في استعادة حماس من محور تركيا وقطر بسبب تراكم خيبات القواعد الحمساوية من تراجع مكانة حماس بسبب مغامرات قيادتها الطائشة وقررت القيادة الطائشة امتصاص هذا الامتعاض في القواعد بالعودة الى محور المقاومة جزئيا عبر ايران لأن باب دمشق أغلق نهائيا والى الأبد أمام القيادة الحمساوية الحالية.. وقد أفضى النجاح الايراني الى استفزاز خصوم محور المقاومة وايران بسبب ادراك هؤلاء الخصوم لنجاح الديبلوماسية الايرانية في الضغط على قيادة حماس عبر قواعد ميدانية تمردت بصمت ووصلت رسالتها الصارمة الى المكاتب العليا.. وتعد استعادة حماس وجبهة غزة المغلقة شيئا محظورا في نظر محور تركيا والناتو.. حيث تقرر أن تعاقب قواعد حماس في غزة وأن تقلم أظافرها الايرانية المتمثلة بكميات الصواريخ المخزنة في مستودعات غزة.. وتم الاتفاق بين اسرائيل واردوغان والسعودية واطراف عربية أخرى على ضرب العودة الايرانية الى غزة وعلى تلقين قواعد حماس درسا تأديبيا في العلاقات واعادة القوة لمكاتب حماس السياسية.. فمحور تركيا لايغفر مثل هذه التحركات والتذبذبات السياسية في لحظات حرجة وفاصلة ولن تكتفي بطرد حماس بل بقطع يدها.. وتطبيق الحد الشرعي بالجلد علنا.. فكانت حادثة مقتل المستوطنين الغامضة التي ركبت عليها الحرب..

أصحاب هذه النظرية يقولون ان ايران كانت مدركة أن الطرف الآخر لن يسمح لها بالقاء القبض على زناد السلاح في غزة ولذلك قامت ايران سرا بالاستعداد لهذه المعركة جيدا وهي تريد من القوى المسلحة المنتصرة في غزة مثل حماس وغيرها والعائدة الى حضنها أن تكون ردا على مشروع داعش الفوضوي في العراق.. باطلاق مشروع حماس النادمة التي ستقدم عربون العودة ودليله القاطع باذلال الجيش الاسرائيلي بمعادلة سلاح ايراني سوري وفرض تسوية بشروط فلسطينية وطنية.. ووعدت ايران هذه القوى أن تمنحها القوة الكافية لتبقى قادرة على فرض شروطها في أي اتفاق تهدئة مع الاسرائيليين.. بحيث تكون عودة هذه القوى وخاصة حماس مجللة بنصر مبين يعيد لها احترامها وهيبتها المقاومة.. وستستفيد ايران من تلقين اسرائيل درسا في غزة بأن تكون رسالتها الى الغرب والامريكيين بأن اسرائيل عاجزة حتى عن غزة الصغيرة المنهكة بالحصار فكيف ستكون قادرة على مواجهة ايران أو تقدم مساعدة للغرب ضد ايران.. وهذا ماسيسهل انهاء مفاوضات المشروع النووي الايراني ايضا.. اي باختصار ستصيب ايران عدة عصافير بحجر غزة.. 1- ابعاد حماس عن محور تركيا واعادتها الى حظيرة المقاومة بعد شرود وضياع طالا.. 2- تثبيت وهن اسرائيل العسكري وابعاد الأوهام عن رأس نتنياهو بانه قادر على المشاكسة مع سورية او ايران او حزب الله واستعراض العنتريات وأن المواجهة حتما ليست في صالحه.. وهي تقول: ماذا بقي من جيش الدفاع الاسرائيلي الذي فشل في تخطي حاجز مارون الراس وحاجز غزة سوى طائراته التي سيتم تحييدها بصواريخ اس 300؟.. وغني عن القول بأن الحرب في سورية رغم خسائرها فانها جعلت مقاتلي الجيش السوري وحزب الله من افضل المقاتلين خبرة وتجربة في العالم بالحروب البرية والالتحام المباشر بالقياس الى الجنود الاسرائيليين وقواتهم البرية التي فضحتها حربا لبنان وغزة واظهرت الجنود الاسرائيليين مقاتلين قليلي الكفاءة ومثيرين للشفقة والسخرية 3- اعادة انتاج نصر معنوي كبير يعيد رؤوس المسلمين في الشرق للالتفات صوب فلسطين.. الرؤوس المسلمة كانت تتجه نحو انتصارات وهمية وانتصارات على الذات.. لكن النصر على العدو الحقيقي سيكون دوما مثيرا للاعجاب..

الا أن هناك نظرية ثانية مغايرة تعاند تماما سابقتها تقول بأن الامريكيين والاسرائيليين والمصريين والسعوديين والأتراك والقطريين اتفقوا على انهاء القضية الفلسطينية بمسرحية دموية ومن هنا قال السيد حسن نصر الله ان القضية الفلسطينية تمر بأخطر مراحلها .. تقوم عملية اعداد المسرح وغرفة الاعدام للقضية الفلسطينية على حرب في غزة تخرج فيها حماس تحديدا منتصرة رمزيا .. ويعاد تعويمها واعادة انتاجها وادخالها حمام الدم الفلسطيني لتغتسل ببطولات أهل غزة من عفن الربيع العربي والطين الذي علق بوجهها بسبب تورطها في مصر وسورية واعتناقها فلسفة الاخوان المسلمين وتيهها في الأناضول خلف السراب العثماني .. وبالطبع بسبب غياب سورية وايران يمكن تسليم حماس الملف الفلسطيني بدل محمود عباس.. وحماس ستكون أقدر على مفاوضة الاسرائيليين كقوة منتصرة يكون رصيدها مرتفعا امام الناس وتقدر على تبرير المرحلة الحالية بعكس عباس المنهك والذي صار رصيده صفرا بعد رحلة فشل تفاوضي استغرقت عشرين عاما خلت من اي نصر من اي نوع حتى من تحرير اسير واحد أو ازالة حاجز واحد..

أصحاب هذه النظرية يقولون ان ادارة اوباما تريد احراج حكومة نتنياهو لدفعه الى مفاوضات يقدم فيها شيئا يسيرا من التنازل ويمكن بعدها عقد صفقة سلام ما مع حماس التي ستتزعم العمل الفلسطيني تحت العباءة التركية القطرية حيث ستتولى قطر وتركيا الاشراف على حماس وعلى أنفاس حماس.. وبذلك يبدو ان الامريكيين يعيدون انتاج سيناريو حرب اكتوبر بين اسرائيل من جهة ومصر وسورية من جهة أخرى.. فكما هو معروف فان هينري كيسنجر أدرك ان السادات صار جاهزا للسلام ولكن الاسرائيليين كانوا يحسون بفائض القوة التفاوضية لديهم ولذلك لم يبد عليهم الحماس لتقديم اي تنازل وكانت قيادات صهيونية اميريكية تريد اصطياد مصر واستخراجها من الأشداق السوفييتة لكنها جوبهت بعدم حماس اسرائيلي للتنازل عن الثمن في سيناء بلا مبرر.. فنصح كيسنجر السادات بتحريك الجبهة واحراز مكاسب عسكرية تجعل مهمة اقناع الاسرائيليين اسهل.. ولذلك تم تحريك القتال في أكتوبر-تشرين 1973 وتوقف القتال على الجبهة المصرية بعد أيام بحجة ثغرة الدفرسوار التي كانت الثغرة التي تدفقت منها معاهدة كامب ديفيد وصارت واقعا بطول نهر النيل في مصر.. الحرب والعبور كانا ثمنا رخيصا مقابل معاهدة ثمينة مثل معاهدة كامب ديفيد التي لاتزال تلتف حول عنق مصر بل ودخلت الدستور والوعي المصري وصارت جزءا من الشعور بالقدر المقدس الذي يخشى من التخلي عنه.. فهي أول شيء يتعهد اي رئيس مصري بحمايته واحترامه لطمأنة الناس والعالم.. حتى قبل حماية الدستور.. ولذلك تبدو في نظر هؤلاء عملية صناعة حماس الجديدة تستحق هذه المغامرة خاصة أن قادة حماس السياسيين صاروا يدركون أنهم انتهوا سياسيا بخسارتهم لرهان سقوط دمشق ومحور طهران بيروت.. وأن حالة التململ في قواعد حمساوية لم تعد مطمئنة وباتوا مرغمين على قبول أي طوق نجاة.. فعقدت الصفقة.. ولذلك تلكأ الامريكيون في التدخل في أول ايام الحرب ريثما ينضج الاسرائيليون والفلسطينيون بنار الحرب.. وستنتهي الحرب قريبا.. وسيصعد الجمل الذي سقط عن الشجرة العالية يوما الى قمة الشجرة من جديد.. وسيتصالح الراعي الكذاب مع أهل القرية الذين يعرفونه كذابا ويعود معهم الى القرية.. ويترك للذئب رعي الغنم!..

الصراع بين النظريتين شرس وكلاهما قد تكونان صالحتين للاستهلاك الشرق أوسطي.. فمما لاشك فيه ان حرب غزة ليست صدفة.. فقواعد حماس وبقية القوى المقاتلة اندفعت الى القتال وكأنها كانت تنتظر حماقة او تصعيدا اسرائيليا دون تردد.. ويبدو أن هناك مزيجا من النظريتين هو الذي يسير على قدميه فيما تبقى كل نظرية متعبة ومثقوبة من عدة جهات..

يبدو من سياقات الحرب بلا شك أن الايرانيين لايزالون موجودين مع السوريين على مستوى كثير من القواعد والقيادات الميدانية في غزة التي لاتثق كثيرا بالثائر الكذاب خالد مشعل.. كما لا يثق به الايرانيون.. وربما أطلعت هذه القيادات على معلومات بشأن الحرب التحريكية على غرار حرب السادات وكيسنجر.. وعرف الايرانيون والسوريون انهم قد لا يقدرون على معاكستها اذا ترك الثائر الكذاب يتولى أمر غزة بالكامل فقاموا بالدخول الى السيناريو عبر القواعد الميدانية التي نسجوا معها علاقات خاصة.. وهذه القواعد وضعت في صورة اللعبة الامريكية لتصفية القضية عبر حرب صناعية.. ووجدت أن القيادات الخارجية لم تعد قادرة على الرؤية السياسية الا من باب العجز والنجاة ولذلك قررت هذه القيادات أن لاتكون الحرب نزهة ولعبة وأن القيادات الطائشة للشعب الفلسطيني يجب أن تعرف حدودها دون مزيد من الانقسام والصراع الداخلي.. فأخرجت ما راكمته مؤخرا من سلاح ايراني وسوري وخبرات عالية قدمت لها من دمشق وطهران لعمليات تصنيع بعض الصواريخ بتقنيات سورية ايرانية وصعدت بالحرب الى سقوف لم تتوقعها اسرائيل التي وجدت أنها تضحي بسمعة الجيش الاسرائيلي ومعنوياته وأنها تتعرض للاهانة والحرج وأن هذا خارج النص المتفق عليه.. ومن هنا دخلت اسرائيل الى مرتفع جديد وورطة لأنها في كل حروبها التي فازت بها كانت تلعب على مسرح معد بعناية ونص مكتوب بدقة فائقة.. الا في حروبها الأخيرة في لبنان وغزة.. فالمسرح خرج عن النص والممثلون ليسوا كلهم تحت امرة المخرج وجنود نتنياهو يتساقطون بشكل مهين ومدنه بلا قباب حديدية.. وهي لاتعرف كيف تنزل عن خشبة المسرح وتوقف العرض اللعين..

يبدو أن ايران المصممة على استعادة حماس تغلبت على مشروع تركيا في غزة وأمسكت بخطام الجمل.. وربما صارت قيادة حماس تلحق بالقواعد وبدأت بالخضوع لها.. الحرب تشير الى أن المكتب السياسي لحماس يخضع لتعليمات قيادات ميدانية (وليس العكس) لاتستجيب للمبادرات بل لتقديرات الموقف العسكري الميداني.. ولكن الملفت للنظر أن السوريين بدؤوا فعلا منذ أن أقفل ملف حماس في دمشق بالتركيز على القوى غير الحمساوية وغير الاسلامية في غزة ذات التوجه الوطني البعيد عن الاسلام السياسي لأن سورية أقفلت ملف الاسلام السياسي وأخرجته من قاموس علاقاتها.. ويجري تنسيق سوري ايراني محترف وتوزيع أدوار ميدانية بحيث تتولى ايران قيادة القوى الاسلامية في المنطقة لسحب البساط التركي القطري وطيه وادخاله الى المخازن.. فيما تقوم سوريا باعادة تنظيم كل القوى اللااسلامية التي أثبتت الوقائع أنها موجودة ولكن بلا حاضنة في فلسطين وقطاع غزة والمنطقة عموما لاعادة انتاج مقاومة وطنية لاتنتمي للتيارات الدينية بل للوطنية البحتة.. وكان من الملاحظ أن السيد أحمد جبريل في لقائه الأخير على الاخبارية السورية لفت بنوع من النقد الى اهمال القوى اللااسلامية سابقا وتركيز ايران سابقا على دعم القوى الاسلامية فقط واغفال بقية القوى الفلسطينية.. وهذه الالتفاتة في معناها الباطني وصدورها من قلب دمشق وعلى لسان قائد فلسطيني مخضرم مثل السيد أحمد جبريل فانها رسالة واضحة من القيادة السورية تعني أن احياء القوى اللااسلامية الفلسطينية عبر دمشق انطلق منذ فترة وأنها صارت حقيقة على الأرض.. ولذلك فقد وجدت حماس لأول مرة في حرب غزة قوى مسلحة بصواريخ سورية متطورة تقاتل معها بضراوة ولاتخضع لحماس وهي لاتنتمي لأي فصيل اسلامي.. وهي لا تعرف حجمها حتى الآن ولكنها تدرك أنها قوية..  والمشروع السوري لن يكون فقط مقتصرا على غزة بل هو مشروع ينشط في كل الهلال الخصيب حتى غزة.. لأن المنطقة قد اتخمت بالاسلاميين وتياراتهم مما تسبب في خلل توازن سياسي كبير وجعل البيض كله في سلة الاسلاميين التي اشترتها قطر والسعودية وفقست منها داعش والنصرة وكل هذه الرثاثة الاسلامية.. ولذلك لن يكون مستغربا أن تظهر قريبا في المنطقة قوى بعثية وقومية وعلمانية ويسارية متعددة عراقية وسورية ولبنانية وفلسطينية في موجة ارتداد بعد احتراق الاسلام السياسي وظهور نموذج داعش والنصرة وتقهقر الاخوان المسلمين..

مهما كانت النظريات فان الأيام القادمة ستكشف أي النظريتين انتصرت .. ولكن بلا شك فان حرب غزة لن تنهي القوى الاسلامية النقية وغير النقية في غزة الا أنها كشفت انطلاق القوى اللااسلامية غالبا وسيترافق ذلك مع تراجع وأفول نجم قيادة حماس الحالية ونجم الجمل الذي ركبته تركيا وقطر وأمسكت بخطامه أيادي العربان والعثمانيين الذين يقاتلون بضراوة لابقاء اسم الثائرين الكذابين .. الكثيرون يرجحون أن أفول الجمل سيكون لصالح القيادات الميدانية المنتصرة التي لايبدو أنها ستخسر المعركة بدليل تعهد حلف المقاومة بنصرها.. وبعض القوى الاسلامية ربما صارت في مرحلة مخاض قيادات جديدة.. والتي تتحضر للظهور وللقول علنا.. نحن لازلنا هنا يا سادة.. كش جمل..

حتى الآن لانعرف الكثير عما يحدث أو عما سيحدث ولذلك كما قلت.. قان الكتابة عن غزة اليوم تشبه الكتابة عن الجرح والسكين.. وعن الحب والانتقام.. وعن الصليب والمصلوب وعن القيامة ومن قام.. ولكن الخوض في بحر غزة سيكشف الحد بين الحب والانتقام.. وبين الجد واللعب.. والأيام قد تكشف الكثير..

الا أن أهم ما قد تكشفه الأيام أن الجراح صارت تثخن السكاكين.. وان أجساد الخناجر مثخنة وتنزف من طعنات الجراح لها.. فعندما يؤمن الجرح بدمه.. تستحيل حوافه الطويلة الى رمح ممشوق طويل القناة والى نصل من لحم  لايضاهي صلابته نصل في الوجود.. ويستحيل فولاذ السكاكين الى جسد نازف من طعنات الجراح الغاضبة لأجساد السكاكين الغضة.. انه زمن بدأ.. زمن الجرح الذي يقتل السكين..

27 تموز 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s