انا الصوفي عبدالله الفرنسي

575772_437476019600280_572615591_n

سامي كليب

كلما همَّت الشمس بوداع القرية الوادعة، أفترش أهلها الرمال في باحة المسجد العتيق. شيوخ تزين وجوههم اللحى البيضاء. شبَّان يلبسون كما شيوخههم العباءة الصحراوية (الدرَّاعة) البيضاء او الزرقاء. بعضهم يحمل مصحفا صغير الحجم. بعضهم الاخر يكتفي بالمسبحة الطويلة البنية اللون. تنزلق حبّات المسبحة واحدة بعد اخرى بين أصابع حاملها، ومع كل حبة يتمتم عبارة العشق للنبي. 

يتبع الشيوخ والشبان احدى الطرق الصوفية المعروفة كالتيجانية او الشاذلية او القادرية او الخضرية وغيرها… كل تلك الطرق ساهمت في نشر الوعي الاسلامي المعتدل. رسَّخت اللغة العربية. صدَّرت اللغة والدين الحنيف صوب افريقيا. صار تأثير الطرق الصوفية في القارة السمراء كبيرا. وصلت الى حد ايصال الشخص الذي تختاره الى سدة الرئاسة في دول كبيرة وعريقة كالسنغال.

لم يعرف عن الصوفيين أساليب قتل ونهب وذبح وغزوات. هم ورعون، هادئون في عالمهم المتنقل بين القرآن الكريم والتعليم ونشر الوعي والتسامح وحب النبي والايمان العميق. هم فتحوا ابواب مدارسهم المتواضعة المنتشرة فوق رمال الصحراء لكل راغب بالنهل من ينابيع العلم والفقة والسيرة النبوية الشريفة. لا تفرقة هنا بين جنس ولون وعرق. يتخرج الطالب من عندهم ملِّما بالفقه والادب والشعر والرياضيات والعلوم وغيرها.

من الطلاب. شاب فرنسي ذهب الى افريقيا حاملا غيتاره، منشدا اغاني بلاده، ناشدا التمتع بحياة الليل ومجونه ونسائه في افريقيا. حط رحاله في قرية النبّاغية الموريتانية. وقع في سحر الصحراء والناس البسطاء الطيبين. أغراه انفتاح الصوفية على العلم والمعرفة العميقين. جذبه القرآن وعلوم الفقه. فتح له اهل القرية الطيبة كبتهم وبيوتهم والقلوب. درس، تعمّق، زهد بالحياة، انقطع عن بلاده، غرق في الكتب القديمة والعريقة، لبس الثياب الرثة، شرب حليب النوق واكتفى بالتمر وبعض لحم الضان، ارخى لحيته الشقراء المزينة ببعض البياض. صار مثل اهل القرية.

” يا الاهي، يا ايها القاهر القهّار، يا أيها الساهر فوق عبادك، يا حكيما يا خبيرا، يا ذا الذي اسرى بعبده من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى، يا ايها السميع البصير، خفف عني حرقتي وسدد خطاي ووجهني نحو الطريق القويم…”

كانت عبارات الرجاء تصل الى مسامعي عند الفجر حين زرت النباغية. تختلط بين وقت وآخر بثغاء نعجة او ناقة. يتسلل الضوء من خلف اللاشيء ليضيء الرمال شيئا فشيئا. كان الرمق الأخير في الليل المقمر يسحب جلبابه خلفه ويرحل في الخفاء كمن سامر بدوية طيلة الليل قرب خيمة أهلها وهمَ بالعودة قبل طلوع الفجر وانكشاف السر تتثاءب حبيبات الرمل قليلا وتصحو لتضيء ما حولها.

تتململ المواشي في استيقاظها موحية بمتعة من اطمأنت نفسه لهدوء سره. وحده الصوفي الفرنسي في المدرسة الاسلامية العريقة “المحضرة” يخالف رتابة الحياة. كان يبعث نجواه صوتا جميلا موحيا بايمان الواقف على مشارف سر الكون.

يسمونه “احمدن الفرنسي”، يقال ان النون اضيفت الى معظم الاسماء هنا بتأثير الأمازيغ. لكن هنا لا يزال بنو حسَّان والمرابطون الذين بفضلهم صمدت الاندلس قرونا، وبفضلهم بقيت اللغة العربية حامية للقرآن الكريم ولنفسها، لا يزالون هنا حماة هذه اللغة كما يحمي المقاتل معقله خلف قلعة حصينة، لا بل كما تحمي الام رضيعها من هجمة حيوان مفترس.

يسير الصبية خلف الصوفي الفرنسي. ينادونه “يحمدن” تختفي الألف وتضاف النون على أحمد، الأولى لضرورة اللهجة المحلية والثانية لاختلاط اللغة الحسانية العربية بالتاريخ البربري الآمازيغي. يضحك لهم. يبادلونه ضحكته الوادعة باخرى اكثر خبثا. لكن الضحكات جميعا تسبح في بحر من المحبة التي لا تشبه الا اهل الصحراء.

لم يعد “احمدن الفرنسي” يعرف عن العالم شيئا. لا يبتغي منه شيئا سوى الاستزادة من علوم الأقدمين وفقههم. يبدو هانئا مطمئنا، تلمع عيناه الزرقاوان فوق لحيته المشذبة بشيء من الفوضى. تكشِف عباءته البيضاء الطويلة عن شعر صدره الكثيف الحامل بين ثناياه شيئا من الرمال. يشرب من البئر. يمسح فمه بكُمِّ درَّاعته. ينظر الى الاعلى حامدا الله.

رحت الاحق حركاته من شق باب خيمتي. اتابع حركة جسدة النحيل وقدميه شبه العاريتين. الاحق اصابع يديه وهما تحتضنان بحنان غريب وعاء الحليب. يتساقط بعض القطرات البيضاء على لحيته، يمسحها شاكرا نعمة الله حامدا فضله.

اسدلت باب الخيمة تاركا بعض الضوء يتسرب من ثقوبه. سوِّيت الشرشف فوق فراش الاسنفج. استلقيت مجددا. تثاقلت في الوقوف. أغرتني فكرة ان أنام ساعة اضافية، دغدغتني فكرة اخرى بأن اسير ساعات طويلة في ذاك الفجر البرتقالي على الرمال المنعشة قبل ان تغزوها الشمس. أغمضت عيني هانئا. هاجتمني صور اؤلائك الذين يدمِّرون اضرحة الصوفية في العالم. اولائك الذين يذبحون أهلها او يكفِّرونهم. ادركت ان الجزء الأهم من تاريخنا الاسلامي العربي العريق في طريقه الى الموت. هاجمتني صور طوابير المسيحيين يغادرون الموصل ليهيموا في اصقاع الارض كما هام قبلهم ابناء فلسطين ولبنان وسوريا بانتظار ان تحتضنهم دولة غربية.

حين نفقد اولائك الذين رسّخوا الاسلام الوادع المتسامح واللغة العربية، ونودّع اؤلائك الذين نثروا من حب المسيح في أوطاننا روح المحبة ودافعوا عن العروبة ووضوعوا أجمل مؤلفات السياسة والادب والشعر، افهم ان اوطاننا عائدة الى عصور ما قبل الجاهلية.

بقيت في فراشي. اغلقت باب خيمتي. نمت هانئا بآذان الفجر. قررت ان استمتع بهذه اللحظات. استيقظت مذعورا. تزايدت دقات قلبي. ربما هو خيال او كابوس. لكني رأيت بما يرى النائم، اني عدت بعد سنوات، فرايت شيخا عجوزا وحيدا قرب المسجد العريق مهدما. سمعته يقول: “قفا نبكي على ذكرى حبيب ومنزل…”

27 تموز 2014

المقال الأصل

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s