آبار الكلام بلا كلام، يا غزة

1380539_658143374205838_377002263_n

نارام سرجون

ليس أسوأ من دفن الكلام وقمع اللغة الا التنقيب عن ذهب الكلام في صدور نضب منها كل الكلام.. وليس أصعب من تحرير اللغة من الطغاة الا استعباد اللغة واسترقاق الكلام وبيعه في أسواق النخاسة.. وليس أصعب من كبت المشاعر الا صنعها وتزييفها وخلقها.. وليس هناك أجمل من أن يكون القلب بحرا يخرج منه اللؤلؤ.. ولا أروع من أن يكون الصدر مليئا بآبار الكلام والفلسفة والمعرفة..

حقول الكلام لا تشبه حقول الغاز تحت الرمال.. وآبار الكلام لا تشبه آبار البترول التي تحفرها الآلات.. واحتياطيات مخزون اللغة في كل صدر نقي بلا حدود.. وأمراء الشعر والكلام لا يشبهون شيوخ النفط ولا أمراءه.. وعندما تمتلئ الأرض بآبار النفط تجف فيها آبار الكلام.. وتجف فيها آبار اللغة والشعر.. وآبار الدين.. وآبار الأخلاق.. وآبار الثورات.. وماان امتلك أمراء الجهل وشيوخ الجهل وملوك الجهل آبار النفط حتى صار همهم أن يشتروا آبار الكلام وحقول اللغة من صدورنا.. ولم يكتفوا بما سرقوه من ثروات فصاروا يستأجرون الشعر والشعراء وأمراء الكلام وقواميسهم كي تبنى لأمراء الجهل أبراج من الأساطير والأكاذيب في الفضاء.. حتى صار أمراء الجهل أمراء للحرية.. وصار ملوك الرذيلة والنكاح ملوكا للأخلاق والثوار.. فنضبت آبار اللغة في الشرق وسقط الجاحظ من أعالي أبراج البيان والتبيين وسقط ابن رشد وهوى المعري ورسالة الغفران في حضن أبي بكر البغدادي..

بعض الكتاب والمثقفين في زمن آبار النفط تحولت صدورهم الى حقول كلام خام وعقولهم الى آبار حبر أسود.. وصارت أقلامهم مثل ناقلات النفط.. تنقل الحبر الأسود من قلوب سوداء.. فيها “خام كلام ثقيل أو خفيف”.. وبعض الأقلام صارت ناقلات فيها حبر “برنت وتكساس الخفيف.. بل والثقيل”.. وبعض المحطات والصحف صارت تعمل مثل مصفاة للنفط  لتكرير الكلام الأسود وتوزيعه..

نحن من بقينا نحفر آبار الماء ونمر على القوافل الظامئة.. ونحن من بذلنا الماء للدنيا وسقينا منه حتى فم اللغة.. ولكن ماذا في آبار الكلام اليوم وغزة تقصف؟ هل صار صعبا أن نكتم المشاعر أم الأصعب أن نزيفها؟ هل لا زلنا قادرين على ان نخرج من صدورنا كلاما لغزة.. وماء باردا لغزة التي تحترق؟ وماذا فعلت حماس بنا وقد رمت في بئرنا مارمت من سم..

اياكم أن تتخيلوا أنني سأصفق لقصف غزة.. أو ان قلبي لا ينفطر وأنا أرى صواريخ اسرائيل تهبط على شعب غزة.. واياكم ان تتخيلوا انني لن اصفق كلما هبط صاروخ على تل ابيب وعلى ثآليل المستوطنات.. أنا لست “سعيد عقل” اللبناني الذي وصف شارون بالبطل لأنه اجتاح لبنان لضرب الفلسطينيين لأن قادة الفلسطينيين تصرفوا برعونة في لبنان.. ولن يكون نتنياهو في نظري الا مجرما حقيرا حتى وان قصف لنا أرتال داعش وعلق لنا البغدادي من عرقوبه في الموصل.. ودك رئاسة الوزراء التركية في استانبول بالقنابل الذرية.. نتنياهو هو نتنياهو وعليه أن يعود من حيث أتى..

ان من يقصف أهل غزة اليوم هو نفسه الذي كان يتجرأ على قصف جمرايا ودمشق منذ أشهر.. وهو نفسه الذي يسعف المسلحين السوريين في الجولان ليقتلوا جنودنا وأبناءنا ويتسلى وهو يرقب داعش تقطف الرؤوس ويرى جبهة النصرة تعلن الحرب على الشيعة والمسيحيين.. وهو نفسه الذي يجند الشباب في معسكرات الزعتري ليتحولوا الى قتلة في الثورة السورية.. القاتل هو نفسه.. انه عار أن يصفق أحد للقاتل الذي يقتلنا مرتين في غزة وفي الجولان..

ولكن أعترف أن الكلام حائر.. وأن قلمي لا يعرف ماذا سيرفع من آبار صدري وماذا سيغرف الكوز من جرار الأحاسيس وخوابيها.. كلما نزلت حفارات اللغة عميقا في صدري عادت بالرمل والطين.. لا ماء ولا عذوبة.. لا نار ولا دخان ولا حمم.. وحقول الكلام مجرد ثلج وجليد سيبيري.. عجبا ماذا حدث لقلبي؟ هل مات؟ وهل آبار الكلام صارت بلا كلام يا غزة؟

أعترف أن لغتي ليست بخير وانها حائرة عندما أكتب عن غزة اليوم.. لأنني أخشى أنني كلما استخرجت حرفا من قاع البئر كي أهديه لغزة أن يطلع لي السافل خالد مشعل واسماعيل هنية ويشكرا أميرا من أمراء النفط.. وأخشى أنني كلما سكبت الحمم من قلمي أن يسكبا العرفان السخي على أمير من أمراء الدم والموت.. هل تذكرون في عام 2012 كيف تسابق قادة حماس لشكر أمير الاخوان المسلمين؟.. رجل الدولة من طراز رفيع محمد مرسي وكأنه هو الذي حمل لهم الصواريخ من معامل الاخوان في حلوان ومن جبل المقطم رغم ان مقاتلي حماس كانوا في آخر حرب يضربون المستوطنات بصواريخ سورية وايرانية دفعنا ثمنها من تعب أبنائنا وأوصلنا لهم خبرات تركيبها وتصنيعها وتذخير منصاتها رغم أنف الأقمار الصناعية وطائرات التجسس والحصار.. ونذكر كيف أن مشعل وهنية لم ينسيا بعدها أن يشكرا خليفة المسلمين أردوغان ونصبوا له التماثيل والصور وتحتها كتبوا (غزة بانتظار الأبطال) فيما أردوغان يغزو شمالا وشرقا بداعش والنصرة والاخوان ويدفع آلاف القتلة لقتلنا في حلب والموصل والرقة.. وتذكرون قبل هنية ليد مفتي الناتو القاتلة التي تقرحت من كثرة تقبيلها بلحى مشعل وهنية اللذين جعلا أمير قطر أمير التحرير..

وأخشى اليوم أن أكتب بالبرق فرحا فيقوم خالد مشعل بشكر أبي بكر البغدادي خليفة المسلمين على خطبته العصماء.. فعادة أهل الغدر لا تتغير.. فعندما ظهر السافل خالد مشعل من الدوحة أحسست أن ظهوره أفسد المعركة وأفسد لي مزاجي لأنه يسيء للمواجهة ويهين الصواريخ.. وأن هذا الاستعراض العسكري مجرد مسرحية قطرية لتعويم قادة حماس من جديد بعد أن غرقت في فضائح الربيع العربي وغرقت في آبار قطر.. وتصاعدت منها رائحة النفط وتحولت من حركة حماس.. الى شركة حماس.. تباع وتشرى بمليار دولار عدا ونقدا..

أعرف أن ماقلته مؤلم وأنه لا يجوز في هذا الوقت بالذات.. وأنه الخطيئة والكفر.. لكن هذا لا يعني أنني سعيد بما يحدث لأهل غزة.. ولا يعني أنني لا أبكي عليهم وأنني لا أتقلب متوجعا.. لكن ظهري لا يزال ينزف من سكاكين قادة غزة.. وبين ألمي من السكاكين وألمي على المساكين صرت أبحث عما فعلته اسرائيل بنا.. وكيف وقعنا جميعا في فخ البرود الجماعي والتفكك بسبب قادة الشعب الفلسطيني.. ونزلنا بارادتنا جميعا الى مقابرنا الجماعية.. ثيرانا ملونة بيضاء وحمراء وسوداء.. كل مجموعة تنظر ببرود الى المقبرة الجماعية التي بجانبها وكأنها لا تعنيها..

منذ زمن لم يكن لدى الفلسطينيين سلاح ولا صواريخ.. لكن أهم أسلحتهم كان ذلك العمق الهائل لهم اجتماعيا عبر الشعوب العربية وبالذات في دول الطوق.. سورية.. لبنان.. الاردن.. العراق.. مصر.. ولكن اسرائيل لعبت بالعلاقة بين الفلسطينيين وشعوب دول الطوق وغيرت بدهاء مشاعر الناس من قضية فلسطين وساعدها على ذلك للأسف صبيانية وغباء قادة الشعب الفلسطيني دون سواهم الذين تورطوا في مواقف وتصريحات وسياسات جعلت حالة من اللاثقة والنفور بين شعوب دول الطوق وبين قضية الشعب الفلسطيني.. ويكاد المرء لا يصدق النتيجة الكارثية لسياسات هؤلاء القادة الكارثية..

ففي الأردن تصادمت منظمة التحرير الفلسطينية مع الملك حسين لكن الأخير تمكن من تحويل صدامه مع المنظمات الفلسطينية من نزاع سياسي الى حالة من الشرخ النفسي بين الاردنيين والفلسطينيين وأجواء لاثقة لا تنتهي.. تغذيه المخابرات الاردنية.. وفي لبنان تورط الفلسطينيون في حرب لبنان الاهلية بحماقة لا نظير لها بدل الناي بالنفس وهم الضيوف.. وكانت النتيجة تراجع مستوى التعاطف مع الفلسطينيين في لبنان وتراجع تفهّم مشكلتهم بين كثير من اللبنانيين الذين وصل الأمر بهم أن رحبوا باجتياح لبنان من قبل اسرائيل لطرد الفلسطينيين حتى أن سعيد عقل الشاعر اللبناني وصف شارون بالبطل..

وفي حرب الكويت لم يكن ياسر عرفات موفقا في مناصرة العراقيين في نزاع عربي عربي ولم يكن موقفه سيغير شيئا لو التزم الحياد في حرب الكويت.. وكانت النتيجة خروج التعاطف الخليجي مع الفلسطينيين والذي عملت عليه اعلاميا محطات عربية وبالغت فيه عمدا.. ولكن عندما سقطت بغداد تم التركيز على دور الفلسطينيين في دعم الرئيس صدام حسين ودعمه لهم فتطورت حالة نفور شعبي منهم واضطر كثيرون للفرار الى سورية وبعضهم تم تهجيره الى البرازيل..

واليوم قام قادة حماس بتوريط الشعب الفلسطيني في الربيع العربي والمشروع الاخواني دون تعقل.. وقامت حماس علنا بتأييد غير مسبوق لعهد الرئيس الاخواني مرسي رغم ان الحصيف كان يرى ان الشارع المصري منقسم وأن من غير الحكمة الاندفاع نحو تأييد طرف ضد آخر في جدال داخلي مهما كانت المبررات.. وبدا موقفها تدخلا في الشارع المصري المنقسم وخاصة عندما حاول السافل مشعل تلميع محمد مرسي وتصويره زورا وبهتانا على أنه بطل ونفخ البلونات في عضلاته.. فوصل الحال بالمصريين الى النفور من حماس والفلسطينين بسبب رهانات قيادة حمقاء..

وفي سورية كانت الضربة الموجعة للعمق الشعبي لفلسطين.. فمحمود عباس باع مقعد الجامعة العربية في موقف رخيص بذيء لتستفيد منه قطر في طرد سورية من الجامعة العربية ولتطلب تحويل الملف الى مجلس الأمن لغزو سورية.. أما قادة حماس فقد أهانوا الشعب السوري كله وهم يتدخلون بوقاحة في تأييد طرف ضد طرف ورفع مشعل بوقاحة ورعونة علم الانتداب الفرنسي تأييدا لاسقاط الدولة السورية.. أي أن ثورة فلسطين تريد تحرير فلسطين ولكنها ترفع علما يرمز للاحتلال الفرنسي لسورية.. الاحتلال نفسه الذي رسم سايكس بيكو ومأساة فلسطين.. وحتى هذه اللحظة لم يعتذر أحد عن هذا التصرف الحقير الصفيق الأحمق.. بل وتورط مقاتلون من حماس في الداخل السوري دون خجل في المعارك والأنفاق.. حتى أن مخيم اليرموك قد احتلته جماعات اسلامية موالية لحماس دون مواربة وتعطل اي تسوية فيه.. فتحول المزاج الشعبي السوري كثيرا وبدا فاترا تجاه مأساة غزة..

لا أكتب هذا اليوم لأن فلسطين تغيرت في قلبي.. فلسطين هي فلسطين.. وهي من أعز بقاع سورية الطبيعية.. لأن فلسطين عندما تتغير في نفسي وقلبي فان ذلك يعني أن أقبل بالبديل.. والبديل هو كيان اسرائيل.. وهذا هو العار والمحال المحال.. فلسطين ستبقى جزءا من سورية الجنوبية.. وشعبها سيبقى جزءا من الشعب السوري رغم سايكس بيكو..

وما فعله قادة فلسطين لا يقل خيانة عن خيانات سوريين غدروا بوطنهم وطعنوه وذبحوه ونزلوا ضيوفا على تركيا وضيوفا على الفرنسيين والبريطانيين والامريكيين.. بل ان مافعله قادة المعارضة السورية يفوق بملايين المرات مافعله قادة حماس من خيانة.. فالمعارضون حرضوا على دمنا.. وقتلونا.. وأشاعوا الكراهية والبغضاء بين السوري والسوري.. ودعوا الى تدميرنا بالغزاة واليورانيوم المنضب والفصل السابع.. وضربونا بالسلاح الكيماوي.. بل ان قادة الاخوان المسلمين تنازلوا عن لواء اسكندرون ووهبوه علنا هدية للسلطان العثماني بحكم التقادم ولأنه لا فرق بين الأهل ولأن السلطان يستحق الاكرام.. أما الخائن كمال اللبواني فقدم مشروع عطاء بالظرف المفتوح لبيع الجولان.. وكأنه ملك أبيه.. حتى نتنياهو لم يرد كل هذا الكرم من خائن بهذه الضآلة..

مايجب أن يقال في هذه المرحلة هي أن لا تتبعوا أهواءكم.. ولا تتبعوا غواية الشماتة.. وغواية التشفي.. انها المشاعر الخاطئة.. والرائحة الخاطئة والغواية القاتلة.. وانها مشاعر الثور الابيض.. والثور الأسود..

أهل غزة هم أهلنا.. وضحاياهم لهم نفس زمرة دمنا.. ولا ذنب لهم ان كان قادتهم قد زينوا لهم أن آبار النفط فيها الحرية والخلاص.. ولا ذنب للفلسطينيين ان كان قادتهم قد فتنوهم بالكذب والمال والاعلام وشعارات الاسلام.. ولا ذنب لهم ان لم تقيض الأيام قادة عظماء لهم..

ابقوا على كراهيتكم لقادة حماس الذين يتغرغرون بالنفط.. وحافظوا على احتقاركم لهم فردا فردا.. ولا تصدقوا هذا الدجال المحتال الذي ظهر من الدوحة وارجموه كما الشيطان في موسم الحج لأن لا فرق بين الدوحة وتل أبيب وظهوره منها اهانة لغزة وصواريخها السورية.. ولكن اياكم والعار والشماتة باهل غزة والتشفي والتصفيق لنتنياهو القاتل.. والا فما هو الفرق بينكم وبين من هلل وكبر ذات فجر وهو يرى قاسيون يحترق ليلا ويقصف من قبل نفس الطائرات والطيارين الذين يقصفون غزة اليوم.. ألم يكن خائنا غبيا؟ لا تكونوا خونة أغبياء..

وربما هذه هي الفرصة الأخيرة لأهل غزة وللشعب الفلسطيني بعد هذه المعركة الدرس (وربما المسرحية الاخوانية) التي تركوا فيها دون معين من تركيا وقطر وجحافل النصرة وأبي بكر البغدادي والظواهري وأردوغان الذين يغزون في كل العالم الا فلسطين وينحرون ضحاياهم من الموصل الى الرقة بعلم اردوغان والعثمانيين الذين تنتظرهم غزة.. على الفلسطينيين ألا يتركوا الأمور تفلت من أياديهم بعد اليوم وأن لا يسلموا مصائرهم لقادة آن أوان رحيلهم ونهاية عصرهم.. هذه المرة يجب أن تكون انتفاضة ضد اسرائيل وأيضا ضد من شتت الفلسطينيين وعذاباتهم.. وضد من دمّر عمقهم الاجتماعي في دول الطوق.. ففلسطين تحتاج.. لثورة.. ولقائد..

بعد نهاية هذه المعركة نحن بانتظار ثورة فلسطين الجديدة.. بقيادات جديدة.. فشعب فلسطين السخي بالشهداء يستحق أفضل من هذه القيادات الأنانية كي يستعيد شعوب الطوق حول قضيته.. ومن أجل مستقبل كفاحه الناصع آن أوان التغيير.. والاستغناء عن وجوه صارت منبوذة ومكروهة.. وجوه آن لها أن تترجل عن ظهر الشعب الفلسطيني المظلوم بها.. والذي دفع ثمن مغامراتها.. رغم كل تضحياته..

في آبار الكلام ماء كثير لفلسطين.. وفي آبار البيان نكهة برتقال وليمون ونكهة أوراق زيتون.. سيفيض النهر بالحب عندما تعود فلسطين بلا شركات مقاولة وتعود من رحلة الاستحمام في آبار قطر.. فلسطين تحتاج ثورة.. فلسطين تحتاج قادة أحرارا يحملون نزق الثوار.. مثل الصواريخ السورية.. عندها ستتفجر ينابيع الكلام ويفيض الكلام من آبار الكلام.. وتتفجر ينابيع النار.. وأعاصير النار..

9 تموز 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s