دابق

14877_10152489159396893_6026544310126629247_n

نزار نيوف

بعد الخارطة التي وزعتها “داعش” لدولتها الإسلامية في العراق وبلاد الشام (وهي خارطة أخرى غير “خارطة دولة الخلافة”)، والتي حذفت منها لواء اسكندرون المحتل إرضاءً لمشغليها الأتراك، أصدرت “داعش” العدد الأول من مجلتها بعد إعلانها “دولة الخلافة”.

المجلة، وهو أمر لافت، تصدر بالإنكليزية في خمسين صفحة بحلّة إخراجية تعتمد الإبهار البصري الذي يشد القارىء. وهو أسلوب كانت لجأت إليه أيضا في تسجيلها “خطبة الجمعة” للبغدادي في جامع الموصل، التي جرى تصويرها بطريقة تقنية عالية استخدمت فيها أربع كاميرات على الأقل! أما من حيث المحتوى، ورغم أنه مكرّس لحدث إعلان “دولة الخلافة” ويحتوي على الخزعبلات والشعوذات التاريخية والفقهية المعروفة لدى الوهابيين والإسلامين عموما، فقد بدا جليا أنه يستهدف صانع القرار الغربي، ومعه وسائل إعلامه وأجهزة مخابراته. فقد حرص محررو العدد على  شرح مفهوم “الإمامة” (الذي يستخدمونه بمعنى “الخلافة” رغم الفرق الهائل بينهما!) وربطه بمفهوم “ملة إبراهيم” المزعومة!

كان لافتا أيضا أن العدد الأول لم يتردد في نشر صور لبعض الفظاعات التي ارتكبتها “داعش” بحق الشيعة وأماكنهم المقدسة في العراق وسوريا، لكنه تجنب تماما الإشارة حتى بحرف واحد إلى الفظاعات التي ارتكبها مسلحو التنظيم ضد المسيحيين وبيوت عبادتهم، سواء في سوريا أو العراق، والتي ليس أقلها احتلالهم “الكاتدرائية الكلدانية” في مدينة الموصل وتحويلها إلى مقر قيادتهم العسكرية بعد أن كسروا وحطموا وأزالوا صلبناها ومذبحها ورفعوا علمهم عليها!؟  

إلا أن كل ما تقدم في كفة، واسم المجلة في كفة أخرى. فهو بيت القصيد في القصة كلها، ويكشف المزيد من الأمور المستورة في سيرة هذا التنظيم وارتباطاته. فقد حملت اسم “دابق Dabiq“، وليس أي اسم آخر، رغم العدد الهائل من المسميات الإسلامية التي كان بإمكانهم أن يغرفوا منها إلى الأبد دون أن تنضب، كما فعل من سبقوهم فيما يسمى”الجيش الحر”، حين لم يتركوا مجرما أو سفاحا أو أزعر معلوما أو مجهولا في التاريخ الإسلامي إلا وركّبوا كتيبة أو لواء باسمه!! وإمعانا في التأكيد على رمزية الاسم، حرص محرروا العدد على تصديره وتصدير محوره الأساسي بمقولة للسفاح “أبو مصعب الزرقاوي” تقول“إن الشرارة اشتعلت هنا في العراق، ووهجها سيستمر ويشتد ـ بإذن الله ـ حتى يحرق جيوش الصليبيين في دابق”!. 

غني عن البيان أن هذا الاسم يحيلنا إلى منطقة “مرج دابق” الواقعة في ريف حلب الشمالي، وتحديدا إلى الشحنة الرمزية التاريخية التي تمثلها المنطقة التي شهدت المعركة المعروفة باسم “معركة مرج دابق”. وهي المعركة التي انتصر فيها الغزاة العثمانيون بقيادة “السلطان سليم الأول” قي 18 آب 1516 على جيوش المماليك بقيادة قانصوه الغوري، واحتلوا بعدها سوريا ومعظم أنحاء العالم العربي لمدة أربعة قرون تحت عنوان “الخلافة الإسلامية” ولوائها، لم تنتهِ إلا في العام 1916 حين قامت ما تسمى “ثورة الشريف حسين” بالتعاون والتنسيق مع المخابرات البريطانية. أما “الخلافة” بذاتها، فقد أطلق عليها كمال أتاتورك طلقة الرحمة في العام 1924، لينهي بذلك نظام حكم عاش ما يقارب 14 قرنا.

لم يعد سرا أن العثمانيين الجدد (على قياس”المحافظين الجدد”) بقيادة رجب طيب أردوغان، الذين يشكلون وجه الأخوان المسلمن في تركيا، لديهم طموح كبير في تحقيق خرافة إعادة الخلافة الإسلامية لبني عثمان. وعلى هذه الخلفية جاء تدخلهم الإجرامي كله في سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس، بغض النظر عن مستويات التدخل والأشكال التي اتخذها، بما في ذلك تقديمهم ألف وخمسمئة سيارة لـ “الدواعش” قبل أربعة أيام من “غزوة الموصل” عبرت كلها من الأراضي التركية إلى الأراضي السورية من “معبر جرابلس” تحت إشراف المخابرات التركية، وصولا  إلى العراق للاشتراك في الغزوة، كما أكدتُ هنا في الأول من الشهر الجاري استنادا إلى معلومات مصدر بريطاني صديق أطلع على مضمون برقية أرسلها الملحق العسكري في سفارة بلاده في تركيا، الكولونيل “ريتشارد جيفريز Richard Jeffries”، إلى وزارة الخارجية في لندن بتاريخ 5 حزيران الماضي.

أردوغان هو الآن قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح رئيسا لتركيا من خلال انتخابات رئاسية عامة تجري للمرة الأولى مباشرة، وبالتالي تحويل نظام الحكم في تركيا إلى نظام رئاسي بصلاحيات شبه كاملة، على الطريقة الفرنسية، بدلا من النظام البرلماني الحالي. ولا أحد يستطيع أن ينفي إحتمال أن هذا الأخواني الحاقد على ضياع سلطة أجداده يفكر جديا بأن يستعيد هذه السلطة. فالجنون لا حدودَ ولا شكلاً ثابتاً له!

وإذا كان الأمر كذلك، من يستطيع أن ينفي احتمال أن يكون أردوغان يفكر جديا بذلك من خلال استخدام “البغدادي” طريقا وأداة لتحقيق ذلك، ثم قتله والتخلص منه بعد أن يؤدي هذا الدور!؟ أولم يقم سلاطين بني عثمان جميعا بقتل حتى أبنائهم و/ أو إخوتهم فور أن وصلوا إلى السلطة!؟

قد يكون هذا الأمر مجرد سيناريو صالح لفيلم هوليوودي أو مسلسل من مسلسلات نجدت أنزور التاريخية ـ الفانتازية كمسلسل “الجوارح” و”الكواسر” و”البواسل”! ولكن بالمقابل: أليس أمرا محتملا أن يكون مجرد جزء من سيناريو تقسيمي للمنطقة يعيد تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ!؟  إذا لم يكن الأمر كذلك، كيف نفهم ـ عندئذ ـ الحراك العسكري الذي تنفذه “داعش” بالطريقة نفسها التي كان يمرّر فيها كل من “سايكس” و”بيكو” قلميهما على خرائط التقسيم مطلع القرن الماضي، وبالطريقة التي كان يرسم فيها السلجوقي/التركي “نور الدين الزنكي” خريطة دولته بحد السيف قبل ثمانية قرون؟ وكيف نفهم أن هذا الحراك يحصر نشاطه وأهدافه كلها تقريبا في السيطرة على الأنبار وحوض الفرات والجزيرة السورية وصولا إلى “جرابلس”، مع محاولة الامتداد جنوبا لضم البادية السورية إلى خارطة “الدولة”!؟

ثمة مشروع مرسوم لـ “داعش” من قبل مشغليها ينحصر في إقامة “دولة سنية” على الرقعة الجغرافية المذكورة تقوم على تحالف “أصولية وهابية وتكوينات قبلية عشائرية”، أي على الأساس نفسه الذي قامت عليه دولة آل سعود تماما، وتكون مهمتها الوحيدة الفصل بين إيران والشام ولبنان. وهذه مصلحة أمريكية ـ إسرائيلية ـ سعودية ـ تركية فقط، تهدف إلى قطع “المحور الاستراتيجي” الممتد من طهران إلى جنوب لبنان من قلبه، ومنع تواصله! وهذا هو الهدف الوحيد للحرب منذ أن تفجرت صيف العام 2011 (ولا أهمية هنا لمن كان مسؤولا عن المتسبب بها.. مافيا النظام أو المافيا الإقليمية/الدولية التي تواجهه).

إذا ما أضفنا إلى ما تقدم كلِّه مفارقةً لم يلتفت إليها أحد، وهي الجامع الذي ألقى فيه البغدادي “خطبة الخلافة”، نكون أمام دخول التاريخ أيضا ،بكل حمولته الرمزية، إلى ساحة المعركة! فالجامع، وكما اتضح من الشريط، مبني وفق الطراز الزنكي ـ السلجوقي (نسبة إلى الدولة الزنكية في القرن الثاني عشر). وأما الرقعة الجغرافية التي تعمل تركيا والولايات المتحدة على تخصيصها “للدولة الوهابية الجديدة”، فهي المساحة الجغرافية نفسها التي نشأت عليها الدولة الزنكية ـ السلجوقية خلال الفترة 1127 ـ1147!! فأي مصادفة تاريخية ـ جغرافية هذه؟ إنه مُكْر الجغرافيا أيضا، وليس مكر التاريخ وحده الذي حدثنا عنه هيغل!

أنا شخصيا من أنصار “نظرية المؤامرة”، لسبب بسيط هو أنه ليس هناك “نظرية مؤامرة”، بل خطط تضعها دول كبرى و/أو إقليمية ، يسمونها ـ اصطلاحا ـ “مؤامرة”، تهدف إلى حماية مصالحها و/أو توسيع مناطق نفوذها أو الاستيلاء على المزيد من مقدرات الشعوب الأخرى؛ ويدخل في أدوات هذه الخطط كل شيء: بدءا من السلاح وانتهاء بالإعلام، مرورا بالثقافة والتاريخ والجغرافيا والدين، وحتى الشعر!  فكيف إذا كان الإسلاميون، أو بعضهم، جزءا من تلك الأدوات!؟ عندئذ لا يكون ثمة أدنى شك في وجودها. فإحدى العلائم الأكيدة على وجود “مؤامرة” في أي بقعة من الشرق الأوسط و”العالم الإسلامي” عموما هي وجود عنصر إسلامي فيها، مهما كان بسيطا، فكيف إذا كان هو العنصرَ الطاغي فيها وعليها ورأسَ حربتها كما يحصل الآن في العالم العربي!؟

في الواقع إن كل ما جرى خلال القرن العشرين في الشرقين الأوسط والأدنى من كوارث، وبلا استثناء، بما في ذلك تقسيم الهند نفسها، كان الأخوان المسلمون، والإسلام السياسي عموما، رأس حربته وأداته التنفيذية الأكثر سفالة وقذارة، منذ “أبو الأعلى المودودي” في الهند حتى… رياض الشقفة وفاروق طيفور في سوريا!

من هنا يمكن النظر إلى حركة “داعش” الأخيرة، أي إعلان “دولة الخلافة” بالتعاون المستتر مع الأتراك والأمريكيين، على أنها النسخة المعاصرة من “معركة مرج دابق” بقيادة “لص حلب”.. رجب طيب أردوغان وصاحب عسسه حقان فيدان! وإذا كان لا بد أن ننتصر في هذه المعركة، يتوجب علينا، أولا وقبل أي شيء آخر، أن لا نكون “مماليك” وأن لا يكون قائد معركتنا… قانصوه الغوري!

ولكم في “دابق” عبرة يا أولي الألباب!

8 تموز 2014

المصدر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s