الهدف الحقيقي لدولة “داعش” ومن يقف وراءها

10501882_10152474813791893_1155756686573264512_n

نزار نيوف

في برقية عاجلة وردت من السفارة البريطانية في أنقرة إلى وزارة الخارجية في لندن بتاريخ يوم الخميس، 5 حزيران الماضي، أي قبل 4 ـ 5 أيام من “غزوة نينوى ـ الموصل” التي قامت بها “داعش” وحلفاؤها من أيتام وبعثيي صدام حسين (الذين أصبحوا وهابيين الآن، ولكن على الطريقة النقشبندية!)، كشف الملحق العسكري البريطاني في تركيا الكولونيل “ريتشارد جيفريز   Richard Jeffries ” عن أن “حوالي ألف وخمسمئة سيارة “بيك آب ـ دبل كبين” عبرت الحدود التركية ـ السورية خلال اليومين الماضيين باتجاه سوريا”. وبحسب المصدر البريطاني إياه، وهو ديبلوماسي بريطاني سابق في إحدى دول الشرق الأوسط، الذي اطلع على المعلومات التي تضمنتها البرقية، بوصفه عضوا في إحدى لجان “مجلس العموم البريطاني” المعنية بهكذا أمور، فإن السيارات كانت “كلها جديدة وغير مستعملة”، وقد عبرت في طوابير طويلة على مدى ليلتين من طريق معبر “جرابلس” الذي تسيطر عليه “داعش” من الجانب السوري. ولفتت البرقية إلى أن السيارات “كانت في معظمها مسلحة برشاشات ثقيلة، بينما نقل بعضها الآخر مقاتلين يحملون أسلحتهم الفردية فقط”. وطبقا للبرقية والمصادر الاستخبارية البريطانية التي اعتمد عليها معدوها، وهي مصادر أمنية وعسكرية تعمل على الأرض مع “المعارضة السورية” والمسلحين، فإن السيارات اتجهت مباشرة إلى الرقة، حيث استُبقي على بعضها هناك، بينما توجه بعضها الآخر إلى بلدات ريف دير الزور والعراق.

يشكل هذا الخبر، المؤكد تماما بالنسبة لي، والذي أتحمل مسؤوليته، المفتاح الأساسي لفهم مشروع “داعش” وبرنامجها، أو بالأدق: برنامج من يقف وراءها، وهو الولايات المتحدة وتركيا. وأما الأمر الآخر الذي لم يلتفت إليه أحد أبدا، كما تبينت من بحثي على “غوغل”، هو الخارطة التي نشرتها “داعش” لدولتها. فقد غاب عنها “لواء اسكندرونة”! ولم يتساءل أحد: لماذا استثنت “داعش” لواء اسكندرون من خارطة “دولتها”؟ أوليس “لواء اسكندرون” في عرفها جزءا مسروقا من بلاد الشام!؟ أوليس هذا الاستثناء شبيها باستثنائها “ضريح سليمان شاه” التركي من النبش، رغم أنه لا يتمتع بأي قيمة دينية، بعد أن هددت بنبشه، في الوقت الذي نبشت فيه حتى قبور “صحابة رسولهم”؟

منذ أن استولت “داعش” على نينوى والموصل في العراق، وانهيار القوات العراقية المدافعة عنهما، بسبب الخيانات والاختراقات الفاضحة وغير المسبوقة في تاريخ الجيش العراقي منذ تأسيسه قبل نحو مئة عام، جن جنون العالم كله، من شرقه إلى غربه، و انهارت معنويات الحكومة العراقية وارتعدت فرائصها قبل أن تلتقط أنفاسها قليلا خلال الأيام اللاحقة. ولم يكن هذا إلا نتيجة حملة “إعلامية ـ نفسية” مبرمجة من “غرف صناعة القرار”، وصل بها الأمر حد التهويل بأن “داعش” قد تصل بغداد خلال أيام، وربما خلال ساعات، رغم أن الأحمق يعرف أنه ليس لديها أي إمكانية، لا في العتاد ولا في العدة، حتى للاحتفاظ بالمناطق التي استولت عليها بالخدعة والاحتيال والخيانة، فكم بالأولى ضم مساحات جديدة إليها والوصول إلى بغداد!

بالتزامن مع ذلك، تولى الإعلام الوهابي رفع أزمة النظام العراقي و”المظلومية السنية” على أسنة الرماح بعد حصرها في مشكلة شخص واحد اسمه “نوري المالكي”، والزعم بأن مشكلة النظام السياسي العراقي البنيوية، وهو نظام صنّعه وركّبه المحتلون الأمريكيون أنفسهم، لا تُحل إلا برحيل المالكي! ولم يتأخر الإعلام الغربي، والأميركي خصوصا، عن الترويج للأكذوبة نفسها، رغم أن الأميركيين هم أنفسهم من اختاروا المالكي لرئاسة الحكومة العراقية بعد أن كان عميلهم وعميل السعودية إياد علاوي (الذي سرق 350 مليون دولار خلال ترؤسه الحكومة وأعطاها لرفيق الحريري ليستثمرها له)، قاب قوسين أو أدنى من أن يكون هو رئيس الوزراء للمرة الثانية، بمباركة دمشق التي سحبت تزكيتها له في ربع الساعة الأخير بالتنسيق مع طهران نتيجة عدم إيفاء السعودية بتعهداتها المتفق عليها في لبنان.

ومن الملاحظ أن الأسلوب الذي اتبع في سوريا جرى اتباعه نفسه تقريبا في العراق: شيطنة رأس النظام واختزال أزمة النظام البنيوية كلها في شخص واحد (الأسد، المالكي)، واجتراح أفكار ومبادرات جوهرها التأكيد على أن قطع رأس النظام وتركيب رأس جديد له ينقذه من الموت ويؤهله للعودة إلى الحياة مرة أخرى بشكل طبيعي!

من نوافل الأمور التأكيد على أنه لا يمكن الدفاع عن حكومة ونظام نوري المالكي وسياساته، إلا بالقدر نفسه الذي يمكن فيه الدفاع عن نظام الأسد، سواء لجهة الطابع المافيوزي والإجرامي لكل منهما، أو لجهة ما يرتكبانه ويقترفانه من سياسات و موبقات مدمرة لمجتمعيهما، رغم أن المالكي “منتخب ديمقراطيا” وفق معايير الأميركيين التي وضعوها هم في العراق، ويتزعم أكبر كتلة برلمانية (مئة مقعد في الانتخابات الأخيرة).

في الواقع، التطور الذي حصل مؤخرا في العراق (احتلال الموصل ونينوى بهذه الطريقة الهوليوودية) لا علاقة له أبدا بأزمة النظام العراقي، فكل منهما أزمة قائمة بذاتها، وإن كانتا تغذيان بعضهما البعض ارتجاعيا (“فيدباك”). أما تفجير هذه الأزمة الأخيرة فلم يكن مقصودا منه سوى إثارة المزيد من الزوابع والغبار لتشتيت الأبصار عن الهدف الرئيس من ورائها، وهو يتصل مباشرة بما يحصل في سوريا، وبالصراع من أجل إعادة رسم الخارطة الجيوستراتيجية للمنطقة. بل يمكن القول “إن أزمة الموصل بدأت عند احتلال حمص وحلب” من قبل المجموعات المسلحة العاملة بأوامر تركيا والسعودية ( السعودية تولت أمر حمص والرقة ، قبل سقوط هذه الأخيرة بيد “داعش”، وتركيا تولت أمر حلب ، ثم الرقة لاحقا بعد أن آلت السيطرة عليها إلى “داعش”).

القضية كلها، بعد أن انتهت وماتت وشبعت موتا منذ صيف العام 2011 تلك التي يسمونها “الثورة السورية”، يمكن اختزالها بجملة واحدة: “فصل إيران عن لبنان (حزب الله) وسوريا” ومنع وجود جبهة متصلة وممتدة من طهران إلى جنوب لبنان. (وهذا ما كان وصفه رأس النظام الهاشمي المتصهين في عمان من سنوات بـ “الهلال الشيعي”). ومن يتتبع المسار الجغرا ـ طبوغرافي لعمل وتمدد المجموعات الإرهابية المسلحة منذ صيف العام 2011 وحتى الآن، يمكنه استنتاج ذلك ببساطة، لاسيما إذا أخذ بعين الاعتبار السيطرة على حمص وريفها ومنطقة القلمون. وعلينا أن نتذكر أن أول قتيل مسلح غير سوري سقط على الأراضي السورية كان الكويتي الإرهابي القاعدي “حسام عثمان المطيري” في مدينة “قارة” في 29 آب 2011!! وقد وصلت خسة ودناءة “ثوار تنسيقية قارة” ودجلهم حد أنهم شيعوه بوصفه “مواطنا سوريا قتله النظام السوري خلال تظاهرة سلمية”، في محاولة منهم لإخفاء وجود مسلحين غرباء! وقد نشرتُ تقريرا في حينه (“الحقيقة”) كشفتُ فيه عن أن الكويتيين اشتروا جثة “المطيري” بمبلغ خمسة آلاف دينار كويتي من “التنسيقية” المذكورة، حيث جرى نبش جثته ونقلها على حمار عبر الجبال إلى “عرسال” في لبنان ومن هناك إلى بيروت فالكويت برعاية العميل  السعودي ـ الأمريكي وسام الحسن (الشريك في اغتيال الحريري). ولم يجرِ الاعتراف بقصة “المطيري” إلا بعد ستة أشهر، حين نشرت عشيرة “حمران النواظر مطير” إعلانا في الصحف والمواقع الإلكترونية الكويتية  أواسط شباط 2012 يقول ما حرفيته إن “اثنين من أبنائها قتلا في سوريا بعد أن توجها للجهاد على أراضيها في مواجهة  النظام العلوي الكافر. أما القتيل الآخر الذي كان يقصده الإعلان فلم يكن سوى “خالد المطيري” (خالد فؤاد الكويتي) الذي قتل في ريف حمص أيضا قبل نشر الإعلان المذكور ببضعة أيام، وجرى شراء جثته هو الآخر بما يزيد عن عشرة آلاف دينار قبضها “ثوار التنسيقيات” (تجار الجثث). وبعد أن اكتشف هؤلاء الثوار هذا النوع المربح من التجارة، بدأوا هم أنفسهم بقتل مسلحين كويتيين جاؤوا “ليجاهدوا” معهم ….من أجل بيع جثثهم لاحقا لأهاليهم!.

وبالعودة إلى موضوعنا الأساسي، أود التذكير بأني كنت نشرتُ تقريرا على هذه الصفحة منذ تدخل حزب الله في سوريا في أيار 2013، أشرت فيه إلى أن السبب الفعلي لتدخل الحزب ليس “الدفاع عن المراقد الشيعية”، كما قال الحزب في معرض تبرير تدخله، بل لأنه أدرك ـ بعقله الاستراتيجي ـ أنه هو المستهدف من استيلاء المسلحين الوهابيين على حمص وريفها ومنطقة القلمون، بالنظر لأن ذلك يمكن أن يقصم ظهره عسكريا ولوجستيا. وقد نشرتُ خريطة توضح أن استيلاء المسلحين على “القصير” يعني  سيطرتهم ليس فقط على طريق إمداده بالسلاح من مستودعات الجيش السوري ومصانع السلاح في المنطقة الوسطى فقط (أي حماة وحمص)، بل اقترابهم مسافة 15 كم فقط من منطقة “بعلبك ـ الهرمل” التي تعتبر أخطر منطقة استراتيجية لحزب الله، كونها تشكل جبهته الخلفية التي تضم تسعة أعشار مخازن أسلحته الاستراتيجية (الصواريخ بعيدة المدى التي تصل جنوب فلسطين المحتلة) ومخازن أسلحته وذخيرته الأخرى على أنواعها. وهذا ليس سرا عسكريا نكشفه للعدو، فقد نشرته إسرائيل مرارا، واستهدفت هذه المنطقة خلال حرب تموز 2006، لاسيما حين استهدفت بلدة “القاع” وارتكبت مجزرة راح ضحيتها 33 عاملا سوريا كرديا كانوا يقطفون التفاح! (أهالي هؤلاء الشهداء الأكراد الفقراء يرفعون اليوم صور نتياهو!!).

“الدراويش” من السوريين والعراقيين، الذين يؤمنون ببلاهة منقطعة النظير بأن هناك “ثورة” في سوريا و”ثورة شعبية في العراق”، لا يدركون أنهم يقدمون أنفسهم حطبا لنيران الصراع الاستراتيجي الدائر في المنطقة بين محورين عالميين / إقليميين بهدف إعادة رسم الخرائط الجيوستراتيجية للمنطقة؛ ولا يدركون أن تركيا والسعودية تقاتلان الآن في خندق واحد في العراق رغم اختلافهما ظاهريا على قضية “الأخوان المسلمين”. فالسعودية تريد عميلها “أسامة النجيفي” رئيسا للعراق خلفا لجلال الطالباني، المعتبر في حكم “المتوفى”(نتمنى له الصحة والعمر المديد)، ومشاركة أتباعها في “حكومة وفاق وطني” ليكونوا أصابعها داخل نظام الحكم العراقي. أما تركيا فتريد السيطرة على الموصل ـ حلمها التاريخي القديم (هل يعرف هؤلاء الدراويش أن الموازنة السنوية التركية تتضمن بندا ثابتا يخص مصاريف الحكومة التركية في الموصل، كأي محافظة تركية أخرى، وأنه يجري الإشارة إلى هذه المصاريف بشكل رمزي /ليرة تركية واحدة/ لا لشيء إلا لإبقاء الحلم التوسعي التركي حيا في نفوس الأتراك!). وهي ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تريد وضع يدها على منابع النفط في كركوك وشمال شرق سوريا. ولهذا رأينا كيف سارع العميل الأميركي ـ التركي مسعود البرزاني إلى السيطرة على المدينة بغطاء تركي، فيما كانت بواخر النفط تفرغ أول شحنة من نفط كركوك (هربها البرزاني عبر ميناء جيهان التركي) في مصفاة حيفا الإسرائيلية! ولهذا أيضا سارع نتياهو إلى الإعلان عن دعم حكومته “لاستقلال كردستان”! (الآلاف من الدراويش الأكراد سارعوا إلى نشر صور نتياهو على صفحاتهم ومواقعهم وتوجيه التحية له، معتقدين بأن دولته التي سرقت فلسطين بكاملها، وشردت شعبها، وقتلت آلاف الأكراد في تركيا من خلال سلاحها الذي تزود به الجيش التركي، لاسيما طائرات “درون”، وشاركت بشكل فعال في اختطاف زعيمهم عبد الله أوجلان من كينيا، معنية ومهتمة بتأمين حريتهم وإقامة دولتهم، وليس بالنظر إليهم على أنهم مجرد أدوات تستخدمها حتى ينتهي دورها لتقذف بها في سلة الزبالة بعد ذلك، كما فعلت مع بقية عملائها منذ تأسيسها حتى الآن!).

هذا التحالف “التكتيكي” التركي ـ السعودي، والصراع بينهما على اقتسام النفوذ في العراق وسوريا، ليس سوى “الوجه الظاهر” للقضية، أما لبها وجوهرها فليس سوى مشروع أمريكي يهدف إلى إقامة “دولة (سنية) إرهابية” وسط سوريا والعراق تؤمن فصل إيران عن بلاد الشام، وتستقطب في الآن نفسه الإرهابيين / الحطب من جميع أنحاء العالم للاستمرار في تفتيت بلاد الشام وبلاد الرافدين، أو على الأقل تأمين بقاء النيران مستعرة في هذا الموقد أطول فترة ممكنة. ولهذا تقف إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية وراء “داعش” بشكل كامل ومطلق، بغض النظر عن “الزعبرات” المتعلقة بوضعها على قائمة الإرهاب! (المئات من”داعش” و”النصرة”، وليس “الجيش الحر” فقط، يتلقون العلاج في مشافي الجيش الإسرائيلي، كما كشفت القناة “العاشرة” الإسرائيلية؛ والآلاف منهم يسيطرون على معظم شريط خط وقف إطلاق النار في الجولان منذ ربيع العام 2012، ومعهم مسلحو الأخوان المسلمين أيضا. ولكن هل سمع أحدكم يوما بأن واحدا من هؤلاء قتل ـ ولو عن طريق الخطأ ـ مجرد عنزة أو بقرة إسرائيلية في المزارع / المستعمرات التي لا تبعد عنهم سوى أقل من 2 كم!).

ولهذا أيضا تعتبر الولايات المتحدة”داعش” هي “البديل العالمي” لتنظيم “القاعدة” الذي انتهى دوره واحترقت أوراقه لكثرة ما جرى استخدامها، فضلا عن تفسخ وتفكك التنظيم نفسه. ومن هنا نرى كيف أن الولايات المتحدة تسلك في التعاطي مع “داعش” المسار نفسه الذي سلكته مع “القاعدة” عشية وبعد تأسيسها. ومن لا يصدق، عليه أن يراجع ما كشفه  رئيس مكتب الأمن القومي الأمريكي “بريو بريجنسكي” في مقابلة شهيرة في العام 1998، حين كشف عن دوره هو شخصيا و دور وكالة المخابرات المركزية الأميركية في تأسيس “القاعدة”، وما قالته هيلاري كلينتون بعد ذلك بعشر سنوات في شريط اعتراف أمام الكونغرس سربته شبكة “سي إن إن”، وبات معروفا للقاصي والداني!

إنه الإسلام السياسي “السني” الذي لم يكن في أي يوم من الأيام، منذ تأسيسه في الهند على يدي عميل المخابرات البريطانية ، ثم الأميركية، “أبو الأعلى المودودي”، من أجل تقسيم القارة الهندية واقتطاع الباكستان منها، وحتى ساعة كتابة هذه السطور، ولن يكون في أي يوم في المستقبل، سوى أداة بيد أجهزة الاستخبارات الغربية ومشاريع حكوماتها الكولونيالية. ومن لديه دليل واحد أو قرينة واحدة تدحض ذلك، ليضعها أمامنا على الطاولة!


1 تموز 2014

المصدر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s