هل أحرق البوعزيزي نفسه أم أحرقه الاسلاميون؟ توراتيات الحريري والبوعزيزي

Mohamed Bouazizi stamp I

نارام سرجون

من أصعب الأشياء في الوجود هو التشكيك بالمسلمات واليقينيات التاريخية وربما كان أخطر شيء على الكاتب ان يدخل المعابد والمذابح ليهز أعمدتها وتراتيلها.. القصص والاساطير أعمدة تقف عليها المعابد منذ نهض عصر الآلهة.. وانهيار الأعمدة يتلوه انهيار المعابد وعبادها.. ولكن لابد من الاعتراف أن اقتحام المعابد وهز الماضي بعنف هو الذي أفضى الى التحكم بمستقبل البشر.. فلو لم لم يبحر كريستوفر كولومبوس نحو الغرب متحديا سطوة الماضي وماقالته معابد الدين والجغرافيا ومسلماتها لما عرفنا أن في العالم قارة خامسة هائلة.. ولولا شجاعة راهب اسمه تشارلز دارون في تحدي قصة آدم وحواء لكنا لانزال لانعرف أحد أسرار الوجود العظيمة عن النشوء التي بدأ أول اشارة لها المتصوف العربي محي الدين بن عربي.. الصراع بين الماضي والحاضر من أجل حكم المستقبل لايحسمه الا تهديم المعابد واكتشاف مادفن تحتها..

لست دارون ولا كولومبوس ولا أي مغامر.. ولكني أملك اصبعا يستهويه أن يتحدى عيون الزمن وعبوس حاجبيه.. وأحب سماع صوت النقر باصبعي على التماثيل المجوفة.. وأنا أحب أن أنبش قبور الأساطير في الذاكرة لاقبور الأولياء التي ينبشها الوهابيون المجانين.. ومن هذه الأساطير أسطورة الربيع العربي الأجوف بكل مكوناتها ومن ألفها الى يائها..

الربيع العربي وثوراته لايزال صنّاعه يبحثون عن مكان في مسلمات التاريخ ليتحول مع أيقوناته الى مقدس لايحاكم ومعبد من معابد الشرق لأنه يقدم نفسه على أنه ثورات شعبية عفوية نقية لاطبقا مسموما وديناميتا في قلب الأمة.. ويختبئ مع أسراره في معابد التاريخ حيث يحرق حوله البخور وتقرأ التمائم..

المتحمسون للربيع بدؤوا يحسون بالضيق بسبب عيوب وفتوق واضحة في سيرته وبنيته وبسبب الحرج المكتوم لأنه لم يأت الا بالكوارث وضباب المستقبل ودخان الشكوك وهم يطلبون منا أن ننتظر استقرار الموج لأن للثورات رحلة طويلة كما يدعون .. ولكن آخر الربيع أكثر ظلمة من أوله كما يبدو.. ويذكّرنا بحديث الرسول لأهل البقيع عندما جلس الى القبور يشكو الفتن ويقول: “أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم.. يتبع أولها آخرها.. والآخرة شر من أولها”.. وكأني برسول الله يجلس اليوم على حدود بلدان الربيع وهو يبكي ويقول: أقبل الربيع كقطع الليل المظلم.. آخر الربيع أكثر شرا من أوله.. لأن ذيل الثعبان وصل قبل رأسه”..

صمدت سوريا وبدأت الحقائق تنجلي عن قناع الربيع.. وظهر الربيع على انه نوع جديد من الصناعات العسكرية الغربية لهزيمة الأمم بسيوف أبنائها وضعف نخبها وهزال العقل التحليلي في فهم الأحداث.. وهو مطابق لمشروع أجاكس الذي نفذته المخابرات الأميريكية في ايران عام 52 ضد حكومة مصدق الوطنية.. ولكن الربيع العربي كان مناورة أوسع بكثير بالقياس الى مشروع أجاكس الصغير الاول في ايران.. ويستحق الربيع بجدارة أن يطلق عليه كمؤامرة على الشرق والاسلام والجيوش العربية الوطنية اسم (أجاكس الشرق الكبرى).. وعندما بدأ طوفان الأسئلة العالية الموج يغرق قامة الربيع بالشك لجأ أهل الربيع الى المرتفعات الشاهقة للنجاة.. وكانت هناك ذروة عالية يتسلقونها كلما علا الموج.. وهي سؤال يتحدون به كل نظريات المؤامرة ويقوله أحدهم وهو ينفخ أوداجه متحديا ذكاءنا فيقول وهو يثبت عينيه في عيوننا وينظر الينا نظرة تمزج بين التحدي والسخرية: اذا كنتم تعتقدون أن الربيع مؤامرة فكيف تفسرون احراق البوعزيزي نفسه؟ هل كان البوعزيزي ينسّق مع برنار هنري ليفي وكان دوره في المؤامرة ان يحرق نفسه؟ وعندما نسألهم عن سبب وجود الناتو والاسلاميين والغرب يدا بيد في جميع الثورات بشكل فاقع ينتقلون الى ذروة أخرى لايصلهم فيها الموج ويقولون فيها: “ان الثورات فعل طبيعي لواقع حقيقي ولكن فوضاها تسهل ركوب الأعداء على ظهرها.. وهذا ماحدث في الشرق المضغوط بالظلم والفساد والقمع فثار.. ولكن الغرب أسرع وامتطى الثورات لتغيير وجهتها.. وقد نجح ببساطة”..

وهذا يعني أن علينا التسليم بأن الربيع العربي ثورة عفوية تم الاستيلاء عليها.. والقبول بهذا الشرح يعني أن علينا أن نقبل أن المؤامرة وهم وخيال.. وأننا نحن من صنعنا الوهم ونسجنا المؤامرة.. ومن يقبل بالاستغناء عن المؤامرة في الشرح فعليه ان يقبل اذا ان يقبل ان الغرب بريء من كل الدمار والدم والفرقة والتمزيق الذي وصلنا اليه..

الاجابة على سؤال واحد قد تحل كل الاشكالية وهذا السؤال مفاده: هل انطلق الربيع عفويا أم تم ترتيب انطلاقه؟.. سؤال يشبه الايمان بالله أو الالحاد .. ويفصل بين طرفيه سؤال حاد مفاده: هل الوجود عفوي أم من ترتيب الله؟ الجواب يعني أنك ان قلت ان الوجود عفوي فان الله غير موجود وتبني حياتك وتصوراتك وأخلاقياتك على هذا الاساس.. أما ان قلت بأنه ليس عفويا فلحياتك مسيرة أخرى ولتصوراتك وخياراتك في العيش اتجاه آخر..

والربيع كذلك.. ان قلت بأنه عفوي فان كل بناء المؤامرة يسقط وكل الاحداث تقبل كل التفسيرات الثورية على علاتها وثغراتها وخللها التكويني.. وان قلت بأنه غير عفوي فان كل الربيع ينهار وكل أعمدة المعابد الثورية تقع على رؤوس المتعبدين والمصلين والكهنة.. ولكن لايمكن أن يكون بعضه عفويا وبعضه مرتبا.. فاما أن كل احداثه عفوية بالمطلق واما كل احداثه مسبقة الصنع.. ولكن يتصاعد الدخان من حادث البوعزيزي ليزيد البلبلة والفوضى.. ولم يبق في الربيع شيء  لم يتم فهمه الا حادثة البوعزيزي.. هل لاتزال الحادثة عفوية أم مدبرة؟ أي هل قتل البوعزيزي بيد قاتل أم انتحر؟

ولم يخطر على بالي ان أهز حادثة البوعزيزي التي يتكئ عليها عتاولة الثوار ويرون فيها النجاة والعناية الالهية التي حمت ثورتهم من الشك ونظرية المؤامرة.. وانتحار البوعزيزي حرقا أيقونة تكاد تشبه حالة الصلب والقيام.. فمن لا يؤمن بالصلب لا يؤمن بالقيام ولا يؤمن بالمسيحية.. فالبوعزيزي أحرق نفسه (أو صلب نفسه).. فقامت الثورات.. ثم ركبها الغرب (الشيطان).. ولو قامت الثورات من غير البوعزيزي لكان من الممكن القاء الشك فيها ..ولكن البوعزيزي يقف بالمرصاد يحرس الثورات بنيرانه لأن حادثة احتراقه هي التي لم يستطع الكثيرون فهم عفويتها وتداخلها مع نظرية المؤامرة.. كل شيء يمكن أن تبتلعه المؤامرة الا حريق البوعزيزي.. ولكن الى أي مدى يمكن أن تصمد حادثة البوعزيزي ولا تسقط منهية آخر ماتبقى من الربيع..

السؤال عن حادثة الاحتراق اثاره عندي زائر غربي كان يتحدث باسهاب عن الربيع العربي ويسترسل في الشرح.. الا أن أذني اعترضت عبارة عفوية قالها في سياق الحديث مرتين وهي: عندما احترق البوعزيزي..!

قاطعته وسألته.. تقصد أنه عندما أحرق نفسه؟.. فتوقف مليا وقال: “لاأدري لم تبدو قصة الانتحار غير مقنعة.. لأن حجم الاستعداد لحريق البوعزيزي ينفي عنه صفة العفوية.. فأن تطيح بمنظومة سياسية كاملة في قرابة خمس جمهوريات ويتناغم الاسلاميون من جميع مشاربهم في العالم لاقتسام التركة في خمس جمهوريات خلال اسابيع.. ثم يظهر تصالح الحركة الاسلامية مع الغرب بعد صراع عقود.. وتبديل أولوية الجهاد.. هذا عمل منظم ولايمكن ان يكون عفويا وتلقائيا انطلق لمجرد شاب أحرق نفسه في لحظة تاريخية حاسمة.. ومن هنا أفضّل أن أستعمل عبارة: عندما تم احراق البوعزيزي.. رغم أني أعترف أنني لاأدري ماذا حدث بالضبط له”..

لا شك أن حجم التغييرات في الايديولوجيا والسياسة لا يمكن أن ينضج خلال شهرين أو سنتين كما تغيرت ايديولوجيا الاسلاميين.. فلا يمكن مثلا ان ينتهي الصراع العربي الاسرائيلي خلال شهرين أو سنة بسبب حادث عارض يؤدي لتغيرات ايديولوجية فيقرر اليهودي أن ينسى حدود الفرات والنيل.. فيما يقرر العربي أن يقرأ التوراة في المسجد.. بل يمكن أن يمر بمنعطفات بطيئة كما حدث عندما غير السادات مسار مصر ببطء لكنه احتاج نصرا وحربا كبيرة وعبورا ليثني مسار المجتمع المصري.. السياسات الكبرى ليست سيارات سباق تنعطف بسرعة.. بل تشبه حركات الايديولوجيا حركة الكواكب وهي تدور على مداراتها فتتغير ببطء..

ان التوقيت المحكم لاحتراق البوعزيزي لم يعد بريئا لأنه سبق بعملية تحضير واضحة وشاقة وواسعة من حيث التنسيق بين دول الغرب التي لم تبال بالتدخل لانقاذ صديقها بن علي بل صار التوقيت يثير كل الشكوك.. ولو كان الغرب قد تخلى عن بن علي بعد أشهر من عناد ومفاوضات ومساع لحل الأزمة سلميا لكان المنظر طبيعيا.. لكن الغرب تصرف بلامبالاة وترك الأمور تسير نحو الهاوية والتغيير السريع خلال أسابيع دون أن يبذل أي جهد لتدارك الموقف.. ولا توجد ثورة شعبية في التاريخ تنتصر خلال ستة اسابيع.. لا الثورة الفرنسية فعلتها ولا البلشفية ولا الايرانية.. فقط الثورات الصناعية تفعلها بل حتى انهيار المعسكر الشرقي في الثمانينات استغرق تمهيدا ليس قليلا بالبريسترويكا.. وهذا الموقف الغربي من الحدث التونسي والعربي لا يمكن أن يكون عفويا.. فالغرب لايتخلى عن مكان قدم واحدة له في العالم اذا لم يعرف عن القادمين الجدد كل شيء ويأخذ منهم الضمانات التي يريد.. وهو لن يتخلى عن تونس لقوى اسلامية واسلاميين سيصبحون قريبين جدا منه بحكمهم تونس.. تخيلوا مثلا أن يكون الاسلاميون التونسيون فرعا من فروع حزب الله يستولي على الحكم في تونس.. هل كانت اوروبة ستكتفي بالصمت على الأحداث؟ والبحرين مثال ماثل لايمكن تجاهله.. فقد منع الغرب أي تغيير في البحرين رغم أن ثورتها من المفترض أن تكون نتيجة مباشرة لحريق البوعزيزي.. وبذل كل نفيس لدعم الملك وتغاضى عن ادتياح السعوديين للملكة البحرينية وتحطيم ساحة اللؤلؤة.. لكنه ترك بن علي لمصير سريع..

ثم ان هذا الدور للجزيرة في تأجيج أحداث تونس وصرخة (هرمنا) الشهيرة واستنفار كاميرا البث في الشوارع ليس وليد لحظته.. وقيادة عزمي بشارة (عضو كنيست اسرائيلي وجاسوس) لعملية سوق الرأي العربي وتوجيه الحركة الاحتجاجية في تونس وحشد التأييد لها لايمكن أن يكون عفويا دون تدبير مسبق وطويل لكل خطوة.. فتحولت الدوحة فجأة الى عاصمة للحرية ومصنع لتركيب وتجميع الشخصيات الثورية و.. الرؤساء.. وحشد المتكلمين وكان عزمي بشارة مكرسا للعمل يوميا في الجزيرة وتوجيه الأحداث ولاعطاء زخم معنوي ونفسي وحر كونه قدم مناضلا فلسطينيا ملاحقا من قبل اسرائيل وماسيقوله سيعطي مشروعية في نظر المشاهدين (هذا قبل احتراق عزمي بشارة)..

ولكن كيف يمكن تفسير موقف الغرب من الثورات العربية اذا كانت حادثة البوعزيزي وماتلاها عفوية وليست مدبرة؟ وفي تفسيرات الاحتمالات الممكنة لحريق البوعزيزي ولشرح سبب ظهور الغرب بسرعة في مسرح الثورات وتصالحه مع الاسلاميين أقوال كثيرة وأكثرها شيوعا هي: أن البوعزيزي قد أحرق نفسه وكانت غرفة العمليات تنتظر حدثا ما لتسلط الضوء عليه قد يكون حتى حادث سيارة يقتل فيه عابر سبيل عادي ترمى فيه اللائمة على سوء الخدمات وغياب قوانين صارمة مرورية وينزل الشبان المدربون على الاحتجاجات لاطلاق الثورة.. ولكن غرفة العمليات التقطت حادثة البوعزيزي وبنت عليها ربيعها المرسوم بدقة سلفا.. أي تم التفتيش عن حادثة عنيفة وقعت وتم دفعها الى خبراء الاعلام لتحويلها الى ايقونة وشرارة.. وتم اختيار تونس لأنها اضعف حلقة جمهورية والنجاح فيها سهل وسريع ومضمون.. واذا نجحت تونس فان الانفعال الثوري سيدفق الحماس في قلوب الآخرين ويمنحهم الأمل والثقة.. أما في مصر وسوريا وليبيا فان قوة الدولة وجهاز الأمن كبيرة وولاء الجيش للدولة كبير واذا ما توقفت الشرارة بسبب قوة الأمن والجيش في هذه الدول مثلا فان تأثير الصدمة والروع سيكون ضعيفا جدا..

لكن حكاية ان الغرب تلقف الثورة والربيع وقام بعملية التفاف مكنته من ركوب الثورات هي تفسير سخيف للغاية.. قد يقبل به العقل المثالي والمسلوب والذي لا يعرف أن مؤسسات الحكم والاقتصاد والمال الغربية تراقب كل مفارق الطرق السياسية في العالم ولا تقبل بالصدف.. لأن انسياب المال بسلاسة مع المصالح والطاقة لا يمكن أن تترك لتقلبات أمزجة اليساريين واليمينيين والأصوليين والصدف التاريخية والثورات الفوضوية.. والسفارات الغربية لاتقوم فقط بعملية احتفالات سنوية وتقديم الحلوى بل تقوم بعملية تحليل يومية لكل نشاطات وفعاليات المجتمع حتى الثقافية وهي محطات انذار مبكر واوكار للتجسس وبناء الجواسيس والموالين.. والغرب ليس مثلنا انفعاليا ومراهقا وهو لاينبري للقفز فوق الثيران الهائجة دون أن يعرف أنه لن يقع.. ولن يتبني مواقف فيها مقامرة ومغامرة دون حسابات.. لأن الخطأ في المغامرة قد يكلف الغرب خسارة دولة كاملة بموقعها وعلاقاتها.. وتبدو فكرة الاستيلاء على الثورات فكاهية للغاية لكل من عمل مثلي في مؤسسات الغرب الأكاديمية والادارية ويعرف أن لا شيء يمكن ان يتخذ دون تخطيط مسبق وحسابات غاية في الدقة.. ولذلك من المستحيل أن يقدم الغرب ومؤسساته على عمل دون حساب متقن وتخطيط مسبق وخاصة في الشأن السياسي والجيوبوليتيكي..

وغالب الظن أنه تم اختيار تونس لأن تونس الضعيفة أريد لها ان تكون الصاعق الذي يفجر الربيع دون احتمال فشل.. بل ان الموجة تدفقت الى ليبيا ومصر واليمن وسورية بسهولة بسبب الزخم الذي منحه سقوط بن علي.. ورافقت كل هذه الموجات الجزيرة (هوليوود وتصوير) وتم استبدال طواقم الحكم في هذه الدول بفريق اسلامي تم تثبيته في ليبيا ومصر وتونس وتم دفعه بقوة في سورية.. وقامت بذلك بعملية امتصاص لغضب الناس الذي كان يمكن أنه سيثمر عن قيادات وشخصيات ثورية قيادية مستقلة تقود عملية تغيير واعية شاملة ثورة لا تحسب حساب الغرب..

وقد نجحت الثورة في تونس ضد السلطة الأمنية.. ولذلك كان نجاح الحلقة الأضعف في تونس حيويا جدا ليشكل دافعا ورافعة معنوية هائلة لبقية فروع الحركات الدينية في المنطقة.. وكانت عربونا قدم على الحساب بين الغرب والحركات الاسلامية التي كان عرابها الأتراك..

كما أسلفت.. هناك اسئلة كثيرة تحيط بحادثة الاحتراق  من مثل أن الاعلام القطري والخليجي كان جاهزا لاستقبال ولتلقف الحدث والاستنفار من أجله فورا وكأنه كان ينتظر شيئا ما.. وهذا التساوق والتناغم يشبه تماما ظهور تيار “المستأبل” اللبناني جاهزا لاطلاق شعارات “الحئيأة” بعد 30 دقيقة من اغتيال “رفيء” الحريري ورفع الأعلام والصور.. حركة وثورة (الحئيأة) تم تصويرها بشكل سينمائي بخبرات هوليوودية مدهشة وباستعداد قل نظيره.. وبالطبع من لوازم عدة الخداع أن تطلق تسمية رومانسية على المظاهرات السلمية التلفزيزنية مثل “ثورة الأرز” التي يمثل فيها المتظاهرون – عن غير قصد –  بقيادة أوركسترا الثورة المشاهد التي رسمت لهم مع معزوفة الاتهامات القاطعة نحو سورية.. مما مهد لدخول اميريكا على الخط فورا عبر منصة المعارضة اللبنانية والتهديد بضرب الجيش السوري “المحتل”.. وظهر المثقفون “الحئيئيون” الذين يطالبون بانهاء الوصاية والاحتلال وتطبيق الفصل السابع.. وهذا ما أثمر عن ضغط عالمي واعلامي تتوج بانسحاب الجيش السوري خلال أسابيع.. والأحداث سارت كما يلي:

1- قتل الحريري (أي أحرق بوعزيزي لبنان الثري).. 2- وظهرت ثورة الأرز الهوليوودية.. 3- تدخل الغرب.. 4- انسحب الجيش السوري خلال أسابيع.. 5- وظهر البطل المعارض سعدو الحريري (ممثل الاسلام السياسي السعودي).. 6- والنتيجة خلق وتثبيت المعارضة الموالية للغرب عبر تيار الحريري الابن الذي وصل على متن دم الأب المحروق في حادث التفجير.. وقامت المعارضة بتغيير العدو من اسرائيل الى سوريا وايران والشيعة عموما!..

وفي تونس حدث نفس التسلسل ولكن بدل قتل الحريري تم قتل البوعزيزي كمواطن بسيط لاعطاء الثورة زخما انسانيا فتتالت الأحداث بنفس الطريقة.. فهناك تطابق في السيناريو الذي أوصل معارضة لبنانية تابعة لدولة نفطية (مذهبية الطابع) بزعامة سعدو الحريري (غنوشي لبنان).. الذي غير العدو وأخذ الجمهور نحو عدو جديد ليس اسرائيل بل أعداء اسرائيل.. فماذا حدث في تونس؟

1- أحرق البوعزيزي (أي رفيق الحريري التونسي الفقير).. 2- ظهرت ثورة (هرمنا) على تلفزيون الجزيرة أو ماسمي (ثورة الياسمين) بدل ثورة الأرز 3- ضغط الغرب ولم يدع الى الحوار أو يرسل الوساطات.. 4- فتدخل الجيش التونسي.. 5- والنتيجة وصول المعارضة الاسلامية (المرتبطة بدولة نفطية هي قطر) الى السلطة 6 – السلطة الجديدة توجت وصولها باتفاق بين ايباك والغنوشي ممثل قطر (سعد الحريري التونسي) على تغيير الخطاب الاسلامي كليا ضد الغرب واسرائيل وتبديل العدو والايديولوجيا..

لا يبدو أن احتمال البوعزيزي قد تم احراقه احتمالا سهل الهضم أو سريع الذوبان في ماء العقل ولا سهلا على المضغ.. ولكن الاستدلال على الحادث بالقياس العقلي يشير الى أن وجود قناصين في تونس ثم في ليبيا ثم في مصر ثم في سورية وهو ظاهرة مشتركة بين جميع الثورات ولم يعد أمرا ينكره أحد..  تابع الرابط التالي عن قناصين أجانب تم ضبطهم في تونس ثم اختفت القصة تماما.. واختفت آثارهم بعد نجاح الثورة

ولذلك لا يبدو ظهور القناصين حدثا مستقلا عن الحدث الأول وهو احتراق البوعزيزي.. اذ كان لابد من اخراج الناس في مظاهرات عبر حدث عاطفي.. ليصطادهم القناصون.. وتحرض الجزيرة الناس على الدم.. ويلد الدم دما..

غياب الربيع العربي عن الممالك العربية والمشيخات مثير لشهية الشكوك ونظرية المؤامرة لأن الشعوب التي تنتج هذا القدر من الاسلاميين في القاعدة وجبهة النصرة والاخوان المسلمين والجهاديين كان الحري بها أن تتحرك نحو بلدانها أيضا.. وقد تبين أن الحراك العربي برمته ديني الهوى والمزاج والقلب والعقل.. ولكن كل الموجة الدينية التي يقال انها قامت على الفاسدين والعملاء لم تقرب من ملك او أمير أو عميل رغم فساد الملوك والامراء العرب بشكل شنيع وفظيع.. ومن الملفت للنظر غياب شهية تحرير مكة والمدينة والقدس عن الربيع العربي واسلامييه..

أما كيف ظهر ليفي فورا في تونس.. ثم في ليبيا.. ثم في مصر.. ثم مع ثوار سوريا.. فهذا سؤال سيثير البوعزيزي وفضوله في قبره

بل ان من الغريب أن الحركة الاسلامية رغم كل الزخم الذي ظهرت به والاندفاع لم تفكر بالاغارة على مهد الرسالة المحمدية في الحجاز لاطلاق مشروعها الاسلامي.. وهو مايجب أن يكون سببا وجيها لأن استعادة الارض المقدسة والتمترس بها سيجعل الحركة أكثر قدسية في نظر الشعوب العربية والاسلامية فتخيلوا أن تسقط الحجاز ومكة بيد الاسلاميين.. أليس هذا هو المشروع الذهبي الذي سيمكنهم من اكتساب الشرعية الاسلامية؟.. وكذلك فان الاستيلاء على عاصمة الامبراطورية العثمانية كرمز عزيز لم يكن جذابا للاسلاميين.. بل بقيت تركيا عضوا في الناتو (المسيحي) الصهيوني أمام أعين كل الاسلاميين دون أن يفكروا بنشر مبادئهم والجهاد فيها طالما أنها لاتزال عضو كامل في الناتو.. وهنا يلفت النظر الى أن الحماس المنقطع النظير الذي قوبلت به الثورات في اعلام الملوك والمشيخات العربية والسخاء المالي بالدعم والاعتراف يدل على أنها ثورات مسبقة الصنع.. وأن حريق البوعزيزي.. كان بفعل فاعل.. فمن هو الفاعل؟..

وبعد.. ينهض السؤال؟ هل أحرق البوعزيزي نفسه أم تم ارتكاب جريمة بحقه وأحرقه طرف ثالث مثل جهاز مخابرات ما (عربي أو غربي) أو جهة اسلامية تم الافتاء لها لاطلاق مسلسل الشر المسمى الربيع العربي بدليل أن القرضاوي وجد العذر للانتحار وقام بردم حديث نبوي شهير بالتحذير من الانتحار لأي سبب (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في النار خالدا مخلدا فيها ومن تحسى سما.. الخ)..

من كل حكاية البوعزيزي لا يبدو اي تفصيل يدل على أنه أحرق نفسه.. أين هم الشهود الذي رأوا الشاب التونسي يحرق نفسه.. لم لم يظهروا؟ وان ظهروا هل هم من سوية شهود العيان المدفوعي الأجر في بداية الأزمة السورية الذين كانوا يلفقون القصص والمشاهدات للجزيرة وتبين انها كذب في كذب.. والأكثر من ذلك فان قصة البوعزيزي التي بنيت على صفعة واهانة من قبل شرطية قد سقطت تماما لأن المحكمة حكمت ببراءة الشرطية.. وظهرت بنفسها لتقول بأنها تجادلت مع البوعزيزي ولكنها لم تضربه وكل القصة مفبركة لتصويره ضحية ظلم واضطهاد.. ويزيد من الشكوك ما صرح به مدير الديوان الرئاسي التونسي الحالي (بعد الثورة) عدنان منصر من أن حادثة البوعزيزي اسطورة كبيرة.. فالبوعزيزي لم يكن متعلما جامعيا عاطلا عن العمل كما تم تصويره كرمز للشابا المتعلم الغاضب بل هو لم يتم تعليمه الثانوي.. وقال بأن الصورة المتداولة عن شاب يحترق ليست للبوعزيزي.. كما أن صورة بن علي وهو يقف أمام شاب مغطى الجسد بسبب حروق شديدة هي لشخص آخر مصاب بحروق ولادخل له بالحادثة لكن وسائل التواصل لعبت بالعواطف عبر زرع تلك الصور..

في سورية رأينا مقاطع يقينية لضحايا تم قتلهم من قبل المسلحين وفي اليوم التالي كانت المعارضة تروي قصصا رومانسية عن انشقاقهم وتعرضهم للقتل من قبل النظام.. والسؤال هو: هل افتتح الاسلاميون ربيعهم التونسي بقصة صنعوها ولفقوها عن البوعزيزي الذي ربما كان شخصا احترق بسبب حادث حريق عادي أو حريق مفتعل؟ اي هل ارتكبوا جريمة استدرج اليها الجميع بمن فيهم الرئيس التونسي بن علي الذي يبدو ان بعض رجاله كان ولاؤهم لقطر أكثر من ولائهم له؟.. قطر كانت تشتري الجميع بالمال كما اشترت “شركة حماس لصاحبيها هنية ومشعل”..

هل قام شخص أو أشخاص باحراق البوعزيزي أو تسهيل احتراقه؟ وهل هم من اسلاميي ايباك النهضة؟

قد يستحق الشعب التونسي والعرب ثورات لكن نضوجها لم يتم بعد ليس بسبب غياب المظالم والحاجة لها بل بسبب غياب النضج الفكري الجماهيري وغياب النخب التي تصنع الفكر الثوري وتمارس التحليل العلمي والاجتماعي.. وتبدى الغياب للنخب بشكل واضح في غياب فهم سريع لما يحدث والانجراف العاطفي لا العقلاني نحو الشعارات دون محاولة التحقق من الروايات البوليسية التي يكفي أن تثار الشكوك حولها لمجرد أنها رواية من روايات الجزيرة التي لم ترو شيئا الا تبين أنه روايات اسرائيلية.. ولم تقص لنا الا قصصا توراتية.. وكان أبطالها توراتيين جميعا ودون استثناء.

لا أريد من هذه المقالة أن أتبنى اي وجهة نظر ولاأن أخمد حريق البوعزيزي بمطافئي لكنني أريد أن أقول انني غير ملزم بتبني اية وجهة نظر مفروضة علي دون أدلة كافية وهي مدججة بالشك والغموض والضبايبة ..ومهمة الكاتب ليست في سقاية بساتين الروايات ولا غسل ارجل القصص التوراتية والقصص التي ترويها أفواه ليست كريمة.. ولا تشبه حكايات الربيع العربي الا القصص التوراتية والتلمودية السخيفة.. وأهل التوراة معروفون بقدرتهم على نسج الحكايات والوعود.. حتى أنهم نسجوا اسطورة شعب الله المختار.. الذي أعطاهم أرضا من النيل الى الفرات..

القصص التي ترويها الغانيات والزانيات ليست شهادات يعتد بها.. فبطولات الجزيرة والاسلاميين وشهاداتهم التي رأيناها في سورية والكذب والتلفيق الذي مارسته المعارضة واعلامها والربيع واعلامه لايجب أن يمر دون أن نشك بكل كلمة من أول كلمة الى آخر كلمة.. أي من لحظة احتراق البوعزيزي..الى لحظة قيام داعش التي نسبت للمخابرات السورية وتبين أنها تركية سعودية.. لأنه كما يقول المتنبي

وماتنفع الخيل الكرام ولا القنا     اذا لم يكن فوق الكرام كرام

قصة البوعزيزي حملها فرسان من فصيلة فرسان الجزيرة وهم حمير لاتصلح الا لجر الطنابر ولاعلاقة لهم بالكرم والفروسية وقد كذبوا في كل شيء.. وهي فروسيات غير أصيلة جعلت من حريق البوعزيزي قصة غير أصيلة وبطولات لا يوثق بها.. وحملتها شفاه لئيمة جعلتها حادثة مسمومة.. وحملت لحمها أشداق الذئاب.. ولا يوجد في فم الذئاب الا ضحايا الذئاب.. ولذلك لا يجب أن يكون السؤال: لماذا أحرق البوعزيزي نفسه.. بل: من الذي أحرق البوعزيزي؟  أول ضحية من ضحايا الربيع العربي.. سيبقى هذا السؤال مشروعا الى أن يحدث تحقيق وتدقيق كامل في هذا الرواية ومعرفة ملابساتها..

24 حزيران 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s